0

هولندا بعد فان جوخ

كان مقتل صانع الأفلام ثيو فان جوخ وما نتج عنه من إحراق متعمد لمساجد وكنائس ومدارس إسلامية سبباً في دفع البيوت الهولندية خلال الأسبوع الأخير إلى المزيد من البحث عن الروح والذات على نحو لم يسبق له مثيل خلال العقدين الماضيين. وعلى ما يبدو أن هولندا القديمة لم يعد لها وجود، ولن تعود إلى الوجود أبداً.

والآن لابد وأن ينصب اهتمامنا على تحقيق هدف واحد، ألا وهو توحيد الشعب الهولندي. ولسوف يقتضي تحقيق هذا الهدف الكثير من العمل والجهد من جانب المهاجرين والهولنديين الأصليين. وطالما ظل أهل الاعتدال حريصين على الاحتفاظ بالهدوء ورباطة الجأش فقد تتمخض هذه الأحداث الرهيبة، التي شهدتها الأسابيع الأخيرة، عن ميلاد هولندا جديدة.

Chicago Pollution

Climate Change in the Trumpocene Age

Bo Lidegaard argues that the US president-elect’s ability to derail global progress toward a green economy is more limited than many believe.

كثيراً ما يقال عن مجموعات المهاجرين المختلفة في هولندا إنهم يفتقرون إلى القدرة على "تطهير أنفسهم" من خلال تقييم الذات وانتقادها بصدق وأمانة. وهناك كثيرون يعترفون بهذه الحقيقة ويرغبون في تغييرها. لمدة طويلة عملت التعددية الثقافية غير الإلزامية على إبقاء الاتجاه المحافظ بين الهولنديين المغاربة والهولنديين الأتراك محتجباً عن أعين الناس وبعيداً عن إدراكهم. والبحث عن الذات بالنسبة للمهاجرين يرتبط ارتباطاً وثيقاً بالانتماء والالتزام، وهو ما يتلخص في النهاية في شعور المهاجرين بأنهم جزء من المجتمع، وشعورهم بالمسئولية عن المدينة والحي والشارع الذي يقيمون به.

ونحن الهولنديون الأصليون أيضاً نجد صعوبة في التعرف على عيوبنا ومواجهتها. فنحن لا نجيد فن الإصغاء، ونعرض آراءنا على الملأ سواء فكرنا فيها ملياً قبل عرضها أو لم نفكر. ونحن نفتقر إلى القدرة على امتحان الذات. ونتيجة لهذا، فقد بات كثيرون منا عاجزين عن فهم أنفسهم، الأمر الذي يجعلهم بالتالي عاجزين عن فهم الآخرين. حتى تحولت حرية التعبير في النهاية إلى ما يشبه الكاريكاتير.

حين سُـئِـل المفوض الأوروبي فريتس بولكستاين عن رأيه في المقابلة التي أجراها معه ثيو فان جوخ ، قال "لقد كان وقحاً، وهذا أمر طيب؛ كما كان عدوانياً، وهذا أمر غير طيب." إن المسألة على هذا القدر من البساطة. فقد أصبحت هولندا اليوم تنظر إلى الصراحة في عرض الذات وتوكيدها باعتبارها أمراً طيباً، وترى التواضع كنوع من جلد الذات. لقد أصبح الاحترام سلوكاً لا يسلكه سوى الضعفاء!

لقد خربت النسبية الأخلاقية الحياة العامة. وبات كثير من الشباب الآن ينظرون إلى السياسة باعتبارها نوعاً من ألعاب الكمبيوتر. ولم يعد الأمر يتعلق بالرسالة أو المحتوى ـ بل بات مجرد شكل آخر من أشكال التسلية، وما يهم في المقام الأول هو من يفوز ومن يخسر، وأصبح السياق مفقوداً.

تعمل الأفكار المتطرفة بمثابة بوصلة بديلة لأصحاب الأرواح الضالة مثل محمد بويري المشتبه به في مقتل فان جوخ . فهو ليس نتاجاً للأئمة المتحمسين في المناطق الريفية بالمغرب، بقدر ما هو نتاج لمجتمع المعلومات في الغرب. لقد وجدت رسالة التطرف الإسلامي سوقاً عالمياً عبر شبكة المعلومات الإنترنت. وفي المقابل هناك شيء مشابه يحدث بين أفراد اليمين المتطرف، مع ما تقدمه " السلطة البيضاء " من يقين ظاهري للشباب الذين فقدوا الاتجاه والهدف.

إن الصراع الحقيقي يدور حول الأفكار. والحقيقة المشئومة هي أن المتطرفين يدركون هذا على نحو أوضح من المعتدلين، أو أهل الأغلبية الصامتة الذين يشعرون بانزعاج شديد من الضجة الثائرة لكنهم لا يعرفون كي�� يقيمون حواراً جاداً.

وفي ذات الوقت فقد انحط مفهوم التسامح ليتحول إلى عزل متعدد الثقافات. فنحن لم نعد نعيش سوياً، بل يعيش كل منا في عزلة عن الآخر. ولقد عبر الهولندي التركي مدير المدرسة الإسلامية التي أحرقت في أودن بعد مقتل فان جوخ عن هذه المحظورات التي نستشعرها جميعاً حين سأل على نحو بلاغي " أليس العدو بين ظهرانينا ؟"

إن محاولة إقامة مجتمع منتعش متسامح ليست هي الحل. بل يتعين على الدولة أن تكافح الإرهاب، ولا ينبغي أن تترك المساحة الإعلامية العامة للمتطرفين، ويتعين على الإسلام في أوروبا أن يتكيف مع أوروبا. وإن من يعيشون في مجتمع يكرهونه بين قوم يحتقرونهم، لن يكون بوسعهم أبداً أن يساهموا في بناء مستقبل مشترك. وإذا أردنا أن تظل أوروبا مكاناً يستحق أن نعيش فيه فلابد وأن تتقبل كل الثقافات والديانات القوانين والقواعد التي تعبر عن المصلحة العامة.

وعلى هذا فنحن في حاجة ماسة إلى إسلام أوروبي. ومن الممكن أن يكتسب هذا الإسلام الأوروبي هيئته المرغوبة، على سبيل المثال، من خلال تدريب الأئمة في أوروبا، وتشجيع المساجد على بث روح التماسك الاجتماعي في أحيائهم، ومن خلال المزيد من المشاركة الفعالة من قِـبَـل المسلمين في الحوار العام.

وفي ذات الوقت، يتعين على الأوربيين الأصليين أن يوطنوا النفس على تقبل الإسلام كعقيدة قد تقدم وجهات نظر جديدة فيما يتصل بقضايا أخلاقية مثل قتل الميئوس من شفائهم، والإجهاض، والشخصية الفردية، والتكافل الاجتماعي. وعلى هذا النحو يستطيع الإسلام حقاً أن يصبح مصدراً يستمد منه مجتمع القيم الأوروبي الإلهام.

إذا أردنا أن نبني مجتمعاً أفضل على خرائب التسامح المتعدد الثقافات فلابد وأن يكون حوارنا أكثر تعمقاً. لابد وأن يفسح التحيز المجال للمشاركة العاطفية، ولابد وأن ترحل العزلة والتغريب ليحل محلهما الاحترام. وإن الأمر بالكامل ينصب في محاولة تقديم معنى جديداً للتكافل والتضامن بعيداً عن قاموس اليسار واليمين.

لقد حان الوقت لكي يتمخض المجتمع ذاته عن مهمة حضارية تثقيفية ترمي إلى جمع الناس والتوفيق بينهم. وهذه المهمة لابد وأن تعبر أيضاً عن توجهات سياسية جديدة لا تؤكد على الاختلافات، بل تساعد على صياغة حس جديد حول هويتنا الحقيقية.

Fake news or real views Learn More

لا ينبغي أن تكون هولندا مركزاً لصراع ديني دولي. بل يتعين علينا أن نصون ونحمي كل ما هو ثمين وعزيز، وأن نستوعب ونتشرب كل ما من شأنه أن يثري حياتنا. هذه العملية لابد وأن تبدأ في المدرسة. ويتعين علينا أن نعلم أطفالنا أنهم لا يعيشون في مجتمع أحادي الثقافة، بل يعيشون في مجتمع متعدد الثقافات تربط بين طوائفه قيم عالمية وقوانين مشتركة. لابد وأن يتعلموا أن التفكير النقدي نافع ومفيد، وأن الشك أمر صحي.

إن استرجاع الماضي ليس خياراً مطروحاً. والمجتمعات المحرومة من دفة توجهها لهي في النهاية بمثابة الصيد السهل للتعصب الأعمى. إنها ليست مجرد قضية يتناولها أهل السياسة بالبحث ويفصلون فيها. بل يتعين على كل فرد منا أن يساعد في تحويل شعار أوروبا " الوحدة في التنوع " إلى مبدأ هادٍ أصيل.