0

عودة هيلاري

نيويورك ـ لماذا فعل ذلك؟ ما الذي دفع باراك أوباما إلى اختيار منافسته القديمة هيلاري كلينتون للخدمة كوزيرة لخارجيته، كوجه وصوت سياسته الخارجية ومبعوثه إلى العالم؟

هناك العديد من التفسيرات المعقولة. ربما نستطيع أن نتصور أنه يطبق القول المأثور القديم: "قَـرِّب منك أصدقاءك واجعل أعداءك أقرب إليك منهم". هكذا وبضربة واحدة بات أوباما متحكماً في آلة كلينتون السياسية الهائلة: الشبكة، والجهات المانحة، والناخبين. وبهذا تمكن أيضاً من تحييد براعة كلينتون الشهيرة في الانتقاد اللاذع وحضورها البراق ـ من ذلك النوع الذي جعل آل غور و بِل كلينتون بالكاد يتمكنان من النطق أثناء الحملة الانتخابية الرئاسية في العام 2000. وبهذا التعيين نجح أوباما في تحويل المدافع الضخمة بعيداً عن صدره ـ وتوجيهها نحو الخارج. ويا له من تخطيط فَـطِن!

Erdogan

Whither Turkey?

Sinan Ülgen engages the views of Carl Bildt, Dani Rodrik, Marietje Schaake, and others on the future of one of the world’s most strategically important countries in the aftermath of July’s failed coup.

قد يتصور المرء أيضاً أنه فعل ذلك لتأمين أصوات الناخبات. الحقيقة أن أحداً من الديمقراطيين لم يصل إلى البيت الأبيض قط دون وجود فجوة في الأصوات بين الجنسين. بيد أن استطلاعات الرأي وكل البيانات تؤكد أن أوباما يحظى بالفعل بدعم حصة غير متناسبة من النساء الأميركيات. (والخبر المهم فيما يتصل بالفوز الذي حققه هو أنه حصل على تأييد قسم كبير من الرجال من ذوي البشرة البيضاء، والذين نادراً ما أيدوا رئيساً ديمقراطياً طيلة حياتهم).

في الواقع، هناك العديد من الأدلة التي تشير إلى أن أوباما ـ ولد الأم القوية التي ربته منفردة، والشاب الذي ساهمت في تنشئته جدة شديدة النفوذ، والرجل الحقيقي الذي تزوج امرأة موهوبة متفوقة تتبنى آراءً مستقلة، والأب المخلص لفتاتين ـ يفهم على نحو جديد تماماً كيف يجتذب النساء ويبقيهن إلى جانبه. فهو يدرك أن النساء يغرمن بالرجل حين يعتبرهن كياناً طبيعياً وليس شيئاً مكملاً له.

إن أوباما يحيط نفسه بعدد من المستشارات المتفوقات من الإناث دون أن يشد الانتباه إلى هذه الحقيقة على نحو فيه تنازل. وإذا افترضنا أن امرأة ما تراقب هذا من الخارج فلسوف تشعر في قرارة نفسها أن هؤلاء النسوة لن يتحولن إلى مجرد واجهة. وقد ينجحن أو يفشلن؛ إلا أنهن داخل اللعبة حقاً.

بيد أنني لا أعتقد أن أياً من هذه الأسباب، رغم أنها جميعها مقنعة، قد يشكل التفسير الأقوى لمبادرة أوباما إلى اختيار هيلاري . أعتقد أنه اختارها لأنه يدرك تمام الإدراك أنه رغم كونه رئيساً للولايات المتحدة، إلا أنه في الحقيقة مواطن في مجتمع عالمي ـ مجتمع يعتبر نفسه مسؤولاً أمامه ويشعر بارتباطه به في علاقة متبادلة. وأحد مواطن القوة في هيلاري كلينتون ، والذي كثيراً ما لا ينتبه إليه أحد، هو أنها تدرك ذلك أيضاً ـ ولقد برهنت أنها تدرك تماماً ماذا يعنيه ذلك.

إن قدراً كبيراً من الخبرة التي نسبتها لنفسها كسيدة أولى كان من قبيل الدعاية. ولكن واحداً من أهم إنجازاتها، الذي لا يستطيع أن ينكره أحد، والذي ربما كان أكثر أهمية من أي شيء آخر قامت به أثناء تلك الفترة، كان مجموعة الرحلات التي أخذت على عاتقها ا��قيام بها لنصرة قضايا المرأة.

لقد أحاطت نفسها بمستشارين على قدر هائل من الاطلاع، ومتخصصين في مثل هذه القضايا المهمة، مثل دور المرأة الحاسم في العالم النامي في رفع مستويات التعليم، وإدارة النمو السكاني، واحتواء التدهور البيئي، وبناء اقتصاد القروض الصغيرة الميسرة. لقد ارتحلت إلى أفريقيا وشبه القارة الهندية، وتحدثت بقوة في مؤتمر بكين الذي جمع بين زعيمات نسائيات من مختلف أنحاء العالم. والآن يتفق كبار خبراء التنمية على مستوى العالم على أن حل العديد من صراعات اليوم التي تحركها أسباب ثقافية أو بيئية أو أسباب متعلقة بالموارد تتطلب تعليم المرأة والاستثمار فيها، وهو ما يتفق تماماً مع كل ما نادت به هيلاري .

ولكن ما يميز هيلاري كلينتون عن مادلين أولبرايت أو كونداليزا رايس هو ما خاضته في سبيل تثقيف نفسها. فقد رفضت الإقامة في الفنادق والغرف البرلمانية مكيفة الهواء في البلدان التي زارتها؛ وسافرت إلى القرى الفقيرة الصغيرة، وذهبت إلى أماكن حيث يسير النساء أربعة كيلومترات يومياً من أجل الحصول على الماء، وإلى أماكن حيث يؤسس النساء ازدهار أسرهن على قروض صغيرة لا تتجاوز العشرين دولاراً لشراء ماكينة خياطة. وجلست على الأرضيات الطينية والمجالس الرملية لكي تستمع إلى مضيفاتها وهن يحدثنها عن قضاياهن وأولوياتهن، وتناولت مواضيع مثيرة للجدال وتتسم بحساسية ثقافية، مثل ختان الإناث وحرق العرائس.

ومع ذلك فإن الاحترام الذي أظهرته للثقافات المختلفة والناس الذين تعاملت معهم كان له أعظم الأثر في السماح لمثل هذه التحديات بالتقدم نحو الأمام، بدون شعور بالمرارة، وبروح من الحوار الحقيقي. إن العديد من النساء في بلدان العام النامي يعشقن هيلاري بسبب هذه الرحلات التي قامت بها، وأنا لعلى يقين من أنها تعلمت منهن دروساً عظيمة الأهمية فيما يتصل بالسياسة العالمية ـ الدروس التي ساهمت في بناء نظرة جديدة إلى العالم، وهي نفس النظرة التي يشاركها إياها أوباما ، الذي ينتمي إلى خلفية دولية.

في هذه النظرة إلى العالم لا تقف أميركا بمفردها ضد كل الآخرين، ولا تصدر المراسيم، ولا تركز بشكل ضيق على الأرباح التجارية. بل إن أميركا في هيئتها الجديدة هذه تحاول، بالتعاون من الزعماء الدوليين، أن تحل المشاكل الحقيقية التي يعاني منها العالم: التدهور البيئي، ونقص الموارد، والتعليم غير الكافي، والفقر المدقع الذي يعيش تحت جناحيه الكئيبين مليار من البشر.

Support Project Syndicate’s mission

Project Syndicate needs your help to provide readers everywhere equal access to the ideas and debates shaping their lives.

Learn more

إن أوباما يدرك، كما تدرك هيلاري كلينتون في اعتقادي، أن حل هذه الأزمات هو المفتاح الحقيقي إلى أمور الحرب والسلام ـ والدلالة الصادقة التي تؤكد إمكانية التقارب بين دول العالم. وأنا أعتقد أن أوباما يعرف أن هيلاري تدرك أن الصراع ينشأ من هذه المشاكل، وأن اللجوء إلى التدخل العسكري دون معالجة هذه المشاكل يكاد يشبه إلقاء بطانية على بركان لإخماده.

بل وربما يدرك الرئيس الأميركي المنتخب أن من اختارها لتولي منصب وزيرة خارجية الولايات المتحدة تعلمت النظر إلى فن الحكم والسياسة العالمية على هذا النحو من خلال استماعها في مجلس إحدى القرى الفقيرة إلى امرأة فقيرة مغبرة ترتدي الساري ـ وهي المرأة التي ربما أصبحت الآن سيدة أعمال على نطاق ضيق، وربما تساعد في تعليم وإطعام أسرتها. والأمر المثير للإعجاب حقاً أن يكون اختيار أوباما لها مبنياً على إدراكه أن هذا النوع من التعليم الذي اكتسبته في رحلاتها لا يقل أهمية بأي حال عما تعلمته في جامعة يال ـ مع بقية زملائها من الفتيان.