14

إنقاذ أوروبا من الصفر

ميونيخ ــ لقد اكتسب الاتحاد الأوروبي مكانته كأداة لحفظ السلام في أوروبا. وقد جلبت التجارة الحرة الرخاء لشعوب أوروبا، وتشكل حرية اختيار مكان الإقامة وسيلة حماية ضد عودة الأنظمة الشمولية. وتحمي المكتسبات المجتمعية مواطني كل البلدان الأعضاء تحت مظلة سيادة القانون. وكل من يشك في وجود هذه الفوائد ما عليه إلا أن ينظر إلى "ساحة أوروبا" في كييف، حيث احتشد مئات الآلاف من البشر لأسابيع لإظهار دعمهم لتوثيق العلاقات مع أوروبا، بدلاً من التحالف مع روسيا تحت حكم فلاديمير بوتن.

والمفارقة العجيبة هنا هي أن نفس الحماسة والفوائد لا تنطبق عندما يتعلق الأمر بالعملة الأوروبية المشتركة. بل على العكس من ذلك، كان اليورو سبباً في انزلاق جنوب أوروبا وفرنسا إلى أزمة اقتصادية عميقة ترهق أعصاب كل الأطراف المعنية. ولم يسبق لي قط رؤية مثل هذا العدد الكبير من الصلبان المعقوفة والشعارات البغيضة الموجهة إلى ألمانيا. ذات يوم قال جان كلود يونكر، رئيس مجموعة اليورو السابق ورئيس وزراء لوكسمبورج لفترة طويلة، إن عام 2013 يذكره بعام 1913 عندما لم يكن بوسع أحد أن يتصور ما حدث بعد عام واحد. ولعل في هذا بعض المبالغة، ولكن التصريح بهذه الكلمات بلسان مثل هذا السياسي المتميز أمر يثير الرهبة في النفس.

ومن المؤسف أن الأزمة لم تنته بعد. فبرغم الضمانة التي قدمها البنك المركزي الأوروبي بالمجان لمشتري سندات حكومات البلدان الأعضاء في الاتحاد الأوروبي والتي نجحت في تهدئة الأسواق المالية مؤقتا، فإن العمال العاديين الذين يشتكون من وظائفهم ينظرون إلى المستقبل بارتياب ووجل. ففي اليونان وأسبانيا، أصبح نصف الشباب الذين لا يدرسون عاطلين عن العمل، وهذه أيضاً حال ربع قوة العمل من البالغين. والأمر المثير للقلق والانزعاج بشكل خاص هو الارتفاع المستمر في معدلات البطالة في فرنسا وإيطاليا، حيث كان الإنتاج الصناعي في تقلص وكانت قدرة الأسعار على المنافسة في تدهور مستمر.

والواقع أن اليورو ذاته مسؤول عن هذه الكارثة. فخلال السنوات الأولى بعد إطلاق قمة مدريد للاتحاد الأوروبي رسمياً عام 1995 مشروع العملة المشتركة، تم توجيه قدر كبير من رأس المال إلى جنوب أوروبا، الأمر الذي أدى إلى نشوء فقاعة ائتمان تضخمية هناك. وقد تبين أن البيئة التنظيمية المفرطة في التراخي كانت مهلكة، فقد شجعت بنوك شمال أوروبا على حشو ميزانياتها العمومية بسندات الحكومات والبنوك الأوروبية الجنوبية. وعندما انفجرت الفقاعة خلفت في أعقابها اقتصادات باهظة الكلفة خسرت قدرتها التنافسية.