1

دروس يونانية للاقتصاد العالمي

واشنطن ـ إن حزمة الدعم (140 مليار دولار) التي تلقتها الحكومة اليونانية أخيراً من شركائها في الاتحاد الأوروبي وصندوق النقد الدولي تمنحها المتنفس اللازم للقيام بالمهمة الصعبة المتمثلة في تنظيم وتوفيق أوضاعها المالية. وهذه الحزمة قد لا تمنع أسبانيا والبرتغال من الانزلاق إلى نفس المشكلة، أو قد لا تكفي حتى لتجنب عجز اليونان عن سداد ديونها في نهاية المطاف. وأياً كانت النتيجة، فمن الواضح أن الكارثة اليونانية ألحقت ضرراً بالغاً بالاتحاد الأوروبي.

في جوهر الأزمة، يكمن مظهر آخر من مظاهر ما أحب أن أطلق عليه "معضلة الخيارات السياسية الثلاثة في الاقتصاد العالمي": وتتلخص هذه المعضلة في استحالة التوفيق بين العولمة الاقتصادية، والديمقراطية السياسية، والدولة القومية. فلا يسعنا أن نجمع بين أكثر من خيارين من هذه الخيارات الثلاثة في نفس الوقت. فالديمقراطية لا تتوافق مع السيادة الوطنية إلا إذا قيدنا العولمة. وإذا ما اندفعنا نحو العولمة مع حفاظنا على الدولة القومية، فلابد وأن نهجر الديمقراطية. وإذا أردنا الديمقراطية إلى جانب العولمة، فلابد وأن ننحي الدولة القومية جانباً وأن نسعى إلى تعزيز الحكم الدولي.

والواقع أن تاريخ الاقتصاد العالمي يظهر لنا كيفية عمل هذه المعضلة الثلاثية. فقد كانت حقبة العولمة الأولى التي دامت حتى عام 1914 ناجحة طالما ظلت السياسات الاقتصادية والنقدية بمعزل عن الضغوط السياسية الداخلية. وآنذاك كان من الممكن إخضاع هذه السياسات تماماً لمتطلبات معيار الذهب والحركة الحرة لرأس المال. ولكن بمجرد توسع الامتيازات السياسية، بدأ تنظيم الطبقة العاملة، وأصبحت السياسات الجماهيرية هي القاعدة، وبدأت الأهداف الاقتصادية المحلية في منافسة القواعد والقيود الخارجية (بل والتغلب عليها).

وكانت عودة بريطانيا لفترة وجيزة بين الحربين العالميتين إلى معيار الذهب من الحالات الكلاسيكية. ثم في عام 1931 انهارت محاولة إعادة بناء نموذج العولمة الذي ساد أثناء فترة ما قبل الحرب العالمية الأولى، حين أرغمت السياسة الحكومة البريطانية على اختيار محاولة إنعاش الاقتصاد الداخلي والتخلي عن معيار الذهب.