47

الحرب الأهلية في أوروبا

واشنطن، العاصمة ــ كانت المفاوضات التي أسفرت عن الاتفاق المبدئي الأخير بشأن ديون اليونان سبباً في إبراز رؤيتين متنافستين للاتحاد الأوروبي: الاتحاد السياسي المرن والإنساني الذي تتبناه فرنسا، والاتحاد القانوني الذي يركز على الاقتصاد والذي تروج له ألمانيا. وكما كتب مؤخراً فرانسوا هايسبورج: "فمن خلال التفكير علناً في انفصال اليونان قسريا (عن منطقة اليورو)، أظهرت ألمانيا أن الاقتصاد ينسخ الاعتبارات السياسية والاستراتيجية. وترى فرنسا ترتيب العوامل بشكل مختلف". والسؤال الآن هو أي رؤية سوف تكون لها الغَلَبة.

ومن جانبهم، كان اليونانيون يضعون هويتهم الوطنية قبل محافظهم، على نحو لا يفهمه خبراء الاقتصاد ويفشلون دوماً في التنبؤ به. فمن غير المعقول على المستوى الاقتصادي أن يفضل اليونانيون الاستمرار في عضوية الاتحاد الأوروبي، ما دام بوسعهم أن يظلوا في الاتحاد الأوروبي مع استعادة العملة الوطنية التي يمكنهم خفض قيمتها.

ولكن بالنسبة لليونانيين لا تعني عضوية منطقة اليورو أنهم يستطيعون استخدام العملة المشتركة فحسب، بل إنها تضع بلادهم على قدم المساواة مع إيطاليا، وأسبانيا، وفرنسا، وألمانيا بوصفها "عضواً كامل العضوية" في أوروبا ــ وهو الموقف الذي يتفق مع مكانة اليونان باعتبارها مهد الحضارة الغربية.

وفي حين يعكس هذا الموقف رؤية الاتحاد المتزايد الترابط التي حفزت مؤسسي الاتحاد الأوروبي، فإن فهم ألمانيا الاقتصادي الأضيق للتكامل الأوروبي من غير الممكن أن يلهم المواطنين العاديين دعم التسويات الضرورية للحفاظ على تماسك الاتحاد الأوروبي. ولا يستطيع هذا الفهم أن يصمد في وجه الهجمات الحتمية الموجهة ضد مؤسسات الاتحاد الأوروبي عن كل تصرف أو تنظيم لا يحظى باستحسان المواطنين ولا يريد الساسة على المستوى الوطني تحمل المسؤولية عنه.