varoufakis72_Nik OikoSOPA ImagesLightRocket via Getty Images_greece protest nazis Nik Oiko/SOPA Images/LightRocket via Getty Images

النازيون اليونانيون يُرسلون إلى السجن، وسمهم حر طليق

أثينا- كان السابع من أكتوبر/تشرين الأول يومًا سعيدا بالنسبة للديمقراطيين. فقد أيدت محكمة الاستئناف اليونانية إدانات قادة الفجر الذهبي، الحزب الذي يجاهر بأنه نازي، والوحيد الذي فاز بمقاعد في جميع البرلمانات منذ أربعينيات القرن الماضي، بتهم القتل، والإيذاء الجسدي الجسيم، وتوجيه منظمة إجرامية. واحتفل حشد من 20000 أثيني خارج المحكمة.

واستمر احتفالنا لمدة 40 ثانية بالضبط، قبل أن تفرقنا الشرطة بالغاز المسيل للدموع. وبسبب الاختناق، حاولت أنا وزوجتي الانضمام إلى مئات آخرين يصارعون من أجل الهروب عبر شارع ضيق يؤدي إلى جبل ليكابيتوس الآمن، والذي كان على مقربة من المكان. وكان هناك عشرات من شرطة مكافحة الشغب يطلقون عبوات الغاز على الحشد الهارب. وتوسلت إلى قائدها حتى يتوقف. فقلت له بهدوء: "لا فائدة من إطلاق الغاز على أشخاص يحاولون العودة إلى منازلهم"، ورد علي بعبارات الشتم. وعندما أدليت ببطاقة هويتي البرلمانية، كان رده مفاجئا: "هذا يعطيني مبررا آخر لأهينك."

إن إدانة القادة النازيين اليونانيين هي انتصار حاسم ضد عودة التطرف اليميني إلى أوروبا. ولكن بينما كانوا ينقلون إلى السجن، كانت أفكارهم، وأخلاقهم، وكراهيتهم للديمقراطية البرلمانية ترتدي زي الشرطة، لتنشر الرعب في الشوارع.

وبعد أسبوع من الحادث، أجرى ضابط الشؤون الداخلية بالشرطة مقابلة معي كجزء من تحقيق بسبب شهادتي. ولم أستطع التعرف على وجه شرطي مكافحة الشغب، لأنني لم أستطع التنفس أو الرؤية بوضوح وقت وقوع الحادث. ولكنني أدركت شيئًا واحدًا: نظرة اشمئزاز هادئة في عينيه- نظرة ذكّرتني بـكابنياس، الذي كان ذات يوم محققًا مدرَبًا في الشرطة السرية النازية.

لقد التقيت كابانياس في عام 1991. وألقيت أول نظرة عليه وهو يقف بجانب ماعزه، في مزرعة جنوب البيلوبونيز التي كان يتقاسمها مع زوجته، يايا جورجيا، التي كنت أزورها لأسباب عائلية، والتي تستحق قصة حياتها أن تكون محور تحفة أدبية لبعض الكتاب المسرحيين الموهوبين. وعلى الرغم من أنني كنت أعرف سمعة كابنياس مسبقا، إلا أنني لم أكن مستعدًا للشراسة الهادئة التي استُقبلت بها في تلك الليلة.

وبعد أن تأقلمت مع غرفة النوم التي أعدتها جورجيا بحب، وتقاسمت الخبز والملح معهما، اعتذرت وتوجهت إلى البلدة المجاورة للقاء الأصدقاء المحليين. وفور عودتي إلى المزرعة، بعد منتصف الليل بفترة طويلة، سمعت شخير كابنياس على مسافة بعيدة، وصوت مجموعة من القطط المتحمسة. لقد كنت منهكا، فتوجهت إلى السرير، حيث كان أحدهما قد وضع كتابين على وسادتي.

Subscribe to Project Syndicate
Bundle2020_web_thegreenrecovery

Subscribe to Project Syndicate

Enjoy unlimited access to the ideas and opinions of the world’s leading thinkers, including weekly long reads, book reviews, and interviews; The Year Ahead annual print magazine; The Green Recovery special-edition print magazine; the complete PS archive; and more – All for less than $9 a month.

Subscribe Now

وكان أحد هذين الكتابين يحمل عنوان مذكرات رئيس الوزراء. وكان مؤلفه هو آخر رئيس وزراء للديكتاتورية الفاشية في شبابي، دمية عينها العميد الذي أخذ المجلس العسكري الفاشي الجديد إلى منطقة النازيين الجدد بعد مذبحة الطلاب في 17 نوفمبر/تشرين الثاني 1973. وكان الكتاب الثاني "كفاحي"، عبارة عن طبعة جلدية، مهملة جدا، نُشرت في ألمانيا عام 1934. وكان الهدف من الكتابين هو أن يُقرآ وقت النوم ليصدما الزائر اليساري، كما ظننت، من باب مجاملة مزارع شبه ملم بالقراءة والكتابة، يحاول توضيح وجهة نظره.

عندما كان كابنياس مراهقًا، كان مزارعًا "لا يمكن المساس به"، وكانت تربطه علاقة مع والد جورجيا، الذي كان أحد النبلاء في قرية جبلية كانوا ينحدرون منها. وأثناء الاحتلال النازي، عمل والد جورجيا كحلقة وصل بين المخابرات البريطانية وأنصار اليسار المحليين، فاتحدوا لتخريب قوة الدفاع "ويرماخت" التي كانت على مقربة من القرية، وعدة فصائل من الجنود الإيطاليين. ووقعت جورجيا الجميلة في الحب، وتزوجت سرا من أحد الثوار. وفي ظل حرب قاسية، رزق الزوجان اللذان تحديا كل شيء ليعيشا سعيدين بطفلين.

وفي هذه الأثناء، انضم كابنياس المراهق الوضيع، إلى الجانب الآخر: إذ التحق بصفوف وحدة شبه عسكرية قام بتجميعها الجستابو المحلي، وأرسل إلى كريت للتدريب على فنون الاستجواب المظلمة والتخريب المضاد. وهناك، أعطاه هانز، مدربه، النسخة ذات الغلاف الجلدي لكتاب "كفاحي".

ومع تراجع الألمان، غرقت اليونان في مستنقع حرب أهلية مروعة. إذ انقلب الحلفاء على بعضهم البعض، الأخ على الأخ، والبنت على الأب. ووجد زوج جورجيا المناصر نفسه يقاتل الجيش الوطني الذي دعمه البريطانيون والذي أصبح والدها، بعد أن أعطى ولاءه للبريطانيين، نصيرًا محليًا له. وفي غضون عامين، قُتل زوج جورجيا المناصر على يد القوات التي كان والدها يعمل معها. ولتكتمل المأساة، قَتل رفاق زوجها والدها. وبعد أن أصبحت أرملة بسبب قوميين من أنصار والدها، ويتيمة بسبب أنصار زوجها، تُركت جورجيا فقيرة مع طفلين صغيرين.

وبعد أن قام كابنياس بالانتقال من القوات شبه العسكرية التي ينظمها الجستابو إلى قوات الدرك المحلية، أصبح الآن في وضع يمكنه من الانتقام من الطبقة العليا في عالمه الصغير شبه الإقطاعي. فاقترب من جورجيا، واقترح قائلا: " تزوجيني، وسأمنع أمثالي من تطهير الأرض منك ومن نسلك الشيوعي". واعتقادًا منها أنه ليس لديها بديل سوى الإذعان، لم تنعم جورجيا بالراحة أبداً إلى أن وافتها المنية في عام 2012.

عندما التقيت كابانياس في عام 1991، كنت أعتقد أن شخصيات مثله كانت من الآثار التي ستختفي بصورة تدريجية. لقد كنت مخطئاً. إن الشعور بالهزيمة الدائمة، واليأس، والإذلال الواسع النطاق يخلق بيئة يستيقظ فيها الحمض النووي النازي النائم. فبمجرد تعرض المجتمع اليوناني لإهانات بالجملة، بعد إفلاس دولتنا في عام 2010، شغل جيل جديد من النازيين، بنظرة كابنياس في أعينهم، مقاعدهم في البرلمان. والآن، يقبع معظمهم في السجن بسبب جرائم بشعة. ولكن هذه النظرة لا تزال في أعين الكثيرين، وليسوا جميعا ممن يرتدون الزي العسكري.

ترجمة: نعيمة أبروش    Translated by Naaima Abarouch

https://prosyn.org/djE9uk5ar