4

أخلاق لا إلهية

هل الدين ضروري للفضيلة والأخلاق؟ يرى العديد من الناس، حتى الملحدين، أنه من غير المقبول أن ننكر الأصل الديني للأخلاق. فإما أن يكون هناك كيان إلهي قد زرع فينا حسنا الأخلاقي، أو أننا نتشربها من خلال التعرض لتعاليم الديانات المنظمة. وفي أي من الحالتين، فإننا نحتاج إلى الدين لكبح رذائل الطبيعة. وأعيد هنا صياغة العبارة التي قالتها كاثرين هيبورن في فيلم "الملكة الإفريقية": "إن الدين يسمح لنا بالارتقاء فوق الطبيعة الوضيعة، ويمنحنا بوصلة أخلاقية".

ولكن هناك العديد من المشاكل التي تكتنف وجهة النظر التي تقول إن الأخلاق مصدرها الرب. من بين هذه المشاكل أننا لا نستطيع، دون أن ننزلق إلى الحواشي، أن نقول في ذات الوقت إن الرب خير وإنه يمنحنا الحس بالخير والشر. لأننا بهذا نقول ببساطة إن الرب "خاضع" لمعايير الربوبية.

Erdogan

Whither Turkey?

Sinan Ülgen engages the views of Carl Bildt, Dani Rodrik, Marietje Schaake, and others on the future of one of the world’s most strategically important countries in the aftermath of July’s failed coup.

وهناك مشكلة ثانية، ألا وهي أنه لا توجد مبادئ أخلاقية يشترك فيها كافة المتدينين، بصرف النظر عن معتقداتهم التفصيلية، ولا يشاركهم فيها من ينكرون إمكانية إقامة الدليل على وجود الرب، أو الملحدين. والحقيقة أن لا نستطيع أن نقول إن سلوكيات المنكرين والملحدين أقل أخلاقاً من المؤمنين بالدين، حتى ولو كانت سلوكياتهم الفاضلة تستند إلى مبادئ مختلفة. فكثيراً ما نرى أن غير المؤمنين لا يقل حسهم بالصواب والخطأ قوة ورجاحة عن أي فئة غيرهم، ومنهم من جاهد من أجل إلغاء الرق والعبودية وساهم في جهود أخرى لتخفيف المعاناة الإنسانية.

والعكس أيضاً صحيح. فقد قاد الدين بعض الناس إلى ارتكاب سلسلة طويلة من الجرائم الشنعاء، بداية من أمر الرب إلى موسى بذبح أهل مدين ـ الرجال والنساء والولدان والفتيات غير العذراوات ـ إلى الحملات الصليبية، ومحاكم التفتيش، والنزاعات التي لا تعد ولا تحصى بين أهل السنة والشيعة من المسلمين، والمفجرين الانتحاريين الذين على قناعة تامة بأن الشهادة سوف تقودهم إلى الفردوس.

الصعوبة الثالثة التي تكتنف الرأي الذي يقول إن الأخلاق تنبع من الدين تتلخص في أن بعض عناصر الأخلاق تكاد تكون عالمية، على الرغم من الاختلافات العقائدية أو المذهبية الحادة بين الديانات الكبرى في العالم. والحقيقة أن هذه العناصر تمتد حتى إلى حضارات وثقافات مثل الصين، حيث الدين أقل أهمية من وجهات النظر الفلسفية مثل الكونفوشيوسية.

ربما نكون قد تلقينا هذه العناصر العالمية من قِـبَل خالق إلهي في لحظة الخلق. ولكن هناك تفسير بديل يتفق مع حقائق البيولوجيا والجيولوجيا، ويؤكد أننا على مر الملايين من السنين تكون لدينا استعداد أخلاقي تولدت عنه في أذهاننا بديهيات بشأن الصواب والخطأ.

ولأول مرة تتمكن البحوث في مجال العلوم الإدراكية، من خلال البناء على الحجج النظرية النابعة من الفلسفة الأخلاقية، من جعلنا قادرين على حل الخلاف القديم بشأن الدين وطبيعة الأخلاق.

فلنتأمل معاً السيناريوهات الثلاثة التالية. وعلينا أن نملأ كل فراغ بواحدة من هذه الاختيارات: "واجباً" أو "مباحاً" أو "محرماً".

1ـ عربة قطار طائشة على وشك أن تدهس خمسة أشخاص يسيرون على القضبان. وهناك عامل من عمال السكة الحديدية يقف بالقرب من مفتاح تحويل يستطيع باستخدامه أن يحول العربة إلى مسار فرعي، فيقتل شخصاً واحداً لكنه ينقذ أرواح الأشخاص الخمسة. في هذه الحالة يكون استخدام المفتاح لتحويل مسار العربة _____.

2ـ مررت بطفلة صغيرة تغرق في بركة ضحلة، وأنت الشخص الوحيد في الجوار. وإذا التقطت الطفلة من البركة فستكتب لها النجاة، لكنك ستفسد سروالك. في هذه الحالة يكون إنقاذ الطفلة _____.

3ـ خمسة أشخاص أحضروا إلى إحدى المستشفيات في حالة حرجة، وكل منهم يحتاج إلى زراعة عضو ما لكي ينجو. ولا يوجد وقت كاف لطلب الأعضاء من خارج المستشفى، ولكن هناك شخص سليم الصحة في غرفة الانتظار بالمستشفى. فإذا ما أخذ الجراح الأعضاء اللازمة من ذلك الشخص فسوف يموت، لكن الخمسة الذين يصارعون الموت سوف تكتب لهم النجاة. في هذه الحالة يكون أخذ الأعضاء من الشخص السليم ــــ.

إذا حكمت على الحالة الأول بأنها من المباح، والحالة الثانية بأنها واجبة، والحالة الثالثة بأنها محرمة، إذاً فأنت مثل ألف وخمسمائة شخص من كافة أنحاء العالم كانت هذه استجابتهم لتلك المعضلات الثلاث في اختبار الحس الأخلاقي المنشور في موقع (http://moral.wjh.harvard.edu/) على شبكة الإنترنت. إذا كانت الأخلاق من وحي الرب، فلابد وأن يكون حكم الملحدين على هذه الحالات الثلاث مختلفاً عن المتدينين، ولابد وأن تستند استجاباتهم إلى مبررات مختلفة.

على سبيل المثال، إذا ما افترضنا أن الملحدين يفتقرون إلى البوصلة الأخلاقية، فلابد وأن تكون مصالحهم الخاصة هي الهادي الوحيد لأفعالهم، وبالتالي فإن الملحد لن يلتفت إلى الطفلة الغارقة. لكننا لم نجد أية اختلافات إحصائية ذات وزن بين الخاضعين للاختبار سواء كانت خلفياتهم دينية أو لم تكن، حيث قال ما يقرب من 90% إن تحويل عربة القطار أمر مباح، بينما قال 97% منهم إن إنقاذ الطفلة أمر واجب، وقال 97% إن أخذ الأعضاء من الرجل السليم أمر محرم.

وحين سئلوا عن تبريرهم لإباحة بعض الحالات وتحريم البعض الآخر، لم يحر بعض المشاركين في الاختبار جواباً، على حين قدم بعضهم الآخر تفسيرات لا يمكن إرجاعها إلى الاختلافات محل الدراسة. والمهم في الأمر أن أولئك الذين يتمتعون بخلفية دينية أصابتهم الحيرة بقدر ما أصابت الملحدين حين سئلوا عن التفسير.

مثل هذه الدراسات من شأنها أن تقدم دعماً مبنياً على التجربة للفكرة التي تقول إن الاستعداد الأخلاقي، مثله كمثل القدرات والملكات النفسية الأخرى التي يتسم بها العقل، بما في ذلك الملكات اللغوية والحسابية، عبارة عن منحة أو هبة تعمل على إرشاد أحكامنا البديهية بشأن الصواب والخطأ. وهذه الملكات والمشاعر البديهية تعكس نتاج ملايين من السنين التي عاشها أسلافنا كثدييات اجتماعية، وهي تشكل جزءاً من إرثنا المشترك.

Support Project Syndicate’s mission

Project Syndicate needs your help to provide readers everywhere equal access to the ideas and debates shaping their lives.

Learn more

لكن هذا الحس البديهي المتطور لا يمنحنا بالضرورة الحلول السليمة أو المتماسكة للمعضلات الأخلاقية. فما كان خيراً في نظر أسلافنا قد لا يكون خيراً اليوم. لكن نفاذ البصيرة فيما يرتبط بالمشهد الأخلاقي المتغير، حيث برزت إلى المقدمة قضايا مثل حقوق الحيوان والإجهاض والقتل الرحيم والمعونات الدولية، لم نكتسبه من الدين، بل من التأمل الحريص اليقظ في مغزى الإنسانية وفي ما نستطيع أن نعتبره حياة طيبة.

من هذا المنطلق، يتعين علينا أن نكون مدركين لتلك المجموعة من الملكات الأخلاقية العالمية، حتى يتسنى لنا أن نتفكر فيها ونتأملها، ثم نتصرف على النقيض منها إذا ما اخترنا ذلك. ونستطيع أن نفعل هذا دون تجديف على الرب، وذلك لأن طبيعتنا هي مصدر أخلاقنا وليس الرب.