9

مخاطر التسميات الخاطئة للمخاطر

ستانفورد ــ إن أعداداً متزايدة من المستهلكين الذي يفترضون أنهم واعون صحياً يختارون منتجات تحمل علامة "خال من"، بدءاً بالبلاستيك الخالي من مادة BPA، إلى الأطعمة غير المعدلة وراثيا. ولكن مثل هذه العلامات والتسميات لا تزيد من السلامة العامة. بل على العكس من ذلك. فالأمر ليس فقط أن العديد من المكونات التي تحمل مسميات مخيفة آمنة تماماً في واقع الأمر، بل إن المصنعين، في تعجلهم لتلبية الطلب الاستهلاكي، يستبدلون أحياناً مكونات أو عمليات أدنى ــ أو حتى أكثر ضررا.

ويقع اللوم عن هذا الموقف في الأساس على الناشطين ووسائل الإعلام الإخبارية التي تعمل على تأجيج مخاوف عامة الناس بلا مبرر. ولكن دراسة أكاديمية حديثة توضح كيف يعمل المصنعون، من خلال لفت الانتباه إلى ما يحذفونه من منتج ما، على إدامة مخاوف زائفة تدفعه المستهلكين في واقع الأمر إلى خوض مخاطر صحية أعظم.

 1972 Hoover Dam

Trump and the End of the West?

As the US president-elect fills his administration, the direction of American policy is coming into focus. Project Syndicate contributors interpret what’s on the horizon.

تستكشف الدراسة، عبر عدسة تسمية المنتجات في الأساس، كيف يقيم الناس مخاطر مادة البيسفول أ (BPA) ــ وهو المادة الكيميائية التي تستخدم بشكل شائع لتصليب البلاستيك ومنع نمو البكتيريا في المعلبات الغذائية ــ مقارنة ببدائلها. وقد وجدت الدراسة أن "الناس يقيمون موقفاً حيث يتم تخفيف الدليل العلمي من خلال الدخول في جدال أشبه بموقف حيث لا توجد أدلة علمية على الإطلاق". بعبارة أخرى، بسبب وجود تساؤلات حول مدى سلامة مادة البيسفول أ، تغاضى الناس الدليل العلمي بالكامل.

الواقع أن المخاوف بشأن مادة البيسفول أ كان من الواجب أن تهدأ منذ فترة طويلة. فقد خلصت سنوات من البحث والتقييم المتكرر من قِبَل هيئات تنظيمية حكومية ــ بما في ذلك تقييم جرى في وقت سابق من هذا العام بواسطة هيئة سلامة الغذاء الأوروبية ــ إلى أن هذه المادة آمنة في الاستخدامات الطبيعية. أي أن إزالتها من الطبقة المبطنة للمعلبات ربما تشكل بالتالي تهديداً لصحة المستهلكين، بزيادة الأمراض التي تحملها الأغذية بسبب البكتيريا القاتلة مثل كلوستريديوم البوتولينوم (Clostridium botulinum)، التي تؤدي إلى الإصابة بالتسمم الغذائي.

لم يكتشف أغلب الناس وجود مادة البيسفول أ إلا عندما رأوا ملصقات تقول "خال من مادة البيسفول أ" على قوارير في متاجر محلية. ولكن هذا الملصق يخلف تأثيراً عميقا: فهو يبعث برسالة لا لبس فيها مفادها أن هذه المادة تشكل خطراً صحيا. فإذا لم تكن كذلك فما الذي قد يدفع الصانع إلى استبعادها من منتجاته، بل والإشارة أيضاً إلى أنه فعل ذلك؟

تشير الدراسة إلى أن "ما لا يعلمه المستهلكون هو أن مادة البيسفول أ يستعاض عنها غالباً بمواد كيميائية أخرى أقل إخضاعاً للدراسة وبالتالي فإن تأثيراتها الصحية تكاد تكون غير معلومة"، بل وربما يتبين أنها أسوأ من المادة الأصلية. ورغم هذا، يظل الناس على تركيزهم على ملصق "خال من مادة البيسفول أ إلى الحد الذي يجعلهم يتقبلون بدائل من المحتمل أن تكون مؤسفة"، ويعرضون أنفسهم لمواد كيميائية ربما كانوا ليرفضوها لولا ذلك.

وتواجه الكائنات المعدلة وراثياً وصمة عار مماثلة ــ وهي الوصمة التي أجبرت شركات إنتاج الأغذية الأميركية العملاقة مثل جنرال ميلز وبوست فوودز إلى إزالة الكائنات المعدلة وراثياً من العديد من منتجاتها الغذائية الشهيرة. وفي السعي إلى تلبية طلب استهلاكي، اضطر المصنعون إلى اتخاذ بدائل مؤسفة ــ أو على وجه التحديد تسويق منتجات تفتقر إلى بعض الفيتامينات المضافة. ومن عجيب المفارقات أنها من أجل إرضاء عملائها بدأت تقدم منتجات رديئة بأسعار أعلى.

لا شك أن المستهلك ليس الطرف الوحيد الذي يؤدي عدم دراسته الوافية للحقائق إلى نشوء بدائل مؤسفة. فالحكومات أيضاً تتخذ قرارات متسرعة وعنيدة تحرم المستهلك من الاختيار.

ولنتأمل هنا القرار الذي حركته دوافع سياسية والذي اتخذه الاتحاد الأوروبي بحظر المبيد الحشري الأحدث والأكثر تطورا، النيونيكوتينويدس. والآن بدأ المزارعون الأوروبيون، الذين اضطروا إلى اللجوء إلى مبيدات حشرية أقدم وأكثر سُمية وأقل فعالية (وأولها البيريتويدات، التي تم التخلص منها تدريجياً إلى حد كبير)، يرون عودة الحشرات الضارية التي تلتهم محاصيلهم. وقد يؤدي هذا الضرر إلى انخفاض بنسبة 15% في محصول هذا العام من الكانولا، وهو المصدر الرئيسي في القارة للزيوت النباتية المستخدمة في المواد الغذائية والديزل الحيوي.

الواقع أن هذه النتائج تنطوي على دروس مهمة ينبغي لنا أن نتعلمها. فأولا، عندما يسمح المصنعون وتجار التجزئة بتوجيه قراراتهم تحت الضغوط من الناشطين، وليس الأدلة العلمية، فإنهم يخاطرون بإثارة استياء المستهلك وعدم رضاه في نهاية المطاف، فضلاً عن الدعاوى القضائية المحتملة نتيجة للأضرار. وعلى نحو مماثل، ينبغي لصناع القرار أن يؤكدوا على العلم قبل السياسة.

Fake news or real views Learn More

وعامة الناس أيضا، ينبغي لهم أن يلعبوا دوراً بالغ الأهمية: الحفاظ على قدر من التشكك الصحي في التعامل مع مزاعم "المدافعين عن المستهلك" من ذوي المصالح الخاصة. إن وضع العلم أولاً الآن هو أفضل وسيلة نضمن بها نحن كمستهلكين عدم الوقوع في الندم في وقت لاحق.

ترجمة: إبراهيم محمد علي          Translated by: Ibrahim M. Ali