58

العولمة وخطوط الصدع السياسية

نيويورك ــ يرجع التصويت الذي اتسم بضيق الأفق في المملكة المتحدة لصالح الانسحاب من الاتحاد الأوروبي إلى أسباب بريطانية محددة. ولكنه أشبه أيضا بعصفور الكناري في منجم الفحم (الذي يصطحبه عمال المناجم لتنبيههم بموته إلى وجود غازات سامة)، حيث يشير إلى حركة شعبوية/قومية رجعية واسعة النطاق ــ على الأقل في الاقتصادات المتقدمة ــ ضد العولمة، والتجارة الحرة، ونقل العمل إلى الخارج، وهجرة العمالة، والسياسات الموجهة نحو السوق، والسلطات فوق الوطنية، بل وحتى التغير التكنولوجي.

تعمل كل هذه الاتجاهات على خفض الأجور وفرص العمل المتاحة للعمال من ذوي المهارات المتدنية في الاقتصادات المتقدمة التي تفتقر إلى العمالة وتتمتع بوفرة رأس المال، ورفعها في الاقتصادات الناشئة حيث تتوفر اليد العاملة. ويستفيد المستهلكون في الاقتصادات المتقدمة من خفض أسعار السلع المتداولة؛ ولكن بعض العمال من ذوي المهارات المتدنية وحتى بعض العمال من ذوي المهارات المتوسطة يفقدون الدخل مع انخفاض أجور التوازن وتعرض وظائفهم للتهديد.

في التصويت لصالح الخروج البريطاني، كانت خطوط الصدع واضحة: الأغنياء ضد الفقراء، والفائزون ضد الخاسرين بفِعل التجارة/العولمة، والمهرة ضد غير المهرة، والمتعلمون ضد الأقل تعليما، والشباب ضد كبار السِن، وسكان الحضر ضد أهل الريف، والمجتمعات المتنوعة ضد المجتمعات الأكثر تجانسا. وتظهر خطوط الصدع نفسها في اقتصادات أخرى متقدمة، بما في ذلك الولايات المتحدة وأوروبا القارية.

بفضل الاقتصاد وأسواق العمل الأكثر مرونة، تعافت الولايات المتحدة والمملكة المتحدة بقدر أكبر من القوة مقارنة بأوروبا القارية في ما يتصل بالناتج المحلي الإجمالي وتشغيل العمالة منذ الأزمة المالية العالمية التي اندلعت عام 2008. وكان خلق فرص العمل قويا، مع انخفاض معدل البطالة إلى أقل من 5%، حتى وإن كانت الأجور الحقيقية لا تنمو بنفس القدر.