0

الاستثمارات الصحية السليمة

كوبنهاجن ــ على مدى قسم كبير من العام الماضي، هيمن وباء الإيبولا في غرب أفريقيا على العناوين الرئيسية. ولكن بقدر ما كان تفشي الوباء مدمرا، فإن عدد ضحاياه الذي كان أقل من عشرين ألف شخص يتضاءل مقارنة بالأرواح التي تحصدها أمراً يمكن الوقاية منها مثل الإيدز، والسل، والملاريا، والتي تسببت مجتمعة في أكثر من ثلاثة ملايين وفاة في عام 2013، وكان أشد الناس فقراً في العالم هم الأكثر تضرراً بهذه الأمراض. ولا ينبغي أن تكون هذه هي الحال؛ بل إن معالجة هذه الأمراض تشكل استثماراً جيداً للغاية.

الحقيقة هي أننا نفتقر إلى الموارد ــ سواء البشرية أو الرأسمالية ــ اللازمة لحل كل مشكلة يواجهها العالم، لذا يتعين علينا أن نركز على المناطق حيث يمكننا تحقيق أعظم قدر ممكن من الخير. وهذا هو ما تحاول 193 حكومة وطنية القيام به حالياً من خلال إنشاء مجموعة من أهداف التنمية التي يتعين تحقيقها بحلول عام 2030. وللمساعدة في توجيه هذه الجهود، طلب مركزي البحثي، مركز إجماع كوبنهاجن، من ستين فريقاً من أفضل خبراء الاقتصاد تقييم بعض الأهداف الرئيسية، وتقديم الحجة الاقتصادية التي تؤيد وضع كل من هذه الأهداف على القائمة النهائية.

Chicago Pollution

Climate Change in the Trumpocene Age

Bo Lidegaard argues that the US president-elect’s ability to derail global progress toward a green economy is more limited than many believe.

وتشكل الصحة موضوعاً بالغ الأهمية، ولهذا تناولتها ست مجموعات من الخبراء وثمانية تعليقات ــ والتي في مجموعها تغطي الكثير من المناطق التحليلية. ولكن هدفاً واحداً برز لكونه فعّالاً من حيث الجدوى الاقتصادية: معالجة الأمراض القاتلة التي يمكن الوقاية منها.

ولنتأمل هنا مرض السل، الذي يقتل نحو 1.4 مليون شخص سنويا. الواقع أن مليارين من البشر في مختلف أنحاء العالم يحملون البكتيريا التي تسبب مرض السل، وسوف يصاب واحد من كل عشرة منهم بالمرض.

لا شك أن تقدماً كبيراً تحقق في مكافحة السل، الذي قتل نحو 100 مليون إنسان في القرن العشرين وحده. وكانت المضادات الحيوية قادرة عملياً على القضاء على المرض في البلدان الغنية، وساعدت في خفض معدل الوفاة بمرض السل بأكثر من الثلث على مدى العقدين الماضيين، فأنقذت ما يقدر بنحو 37 مليون إنسان منذ عام 1995.

لكن السل يظل منتشراً بين الفقراء، وكان التقدم نحو القضاء عليه معوقاً بسبب أنظمة الرعاية الصحية الضعيفة، والفقر، وسلالات مرض السل المقاومة لعقاقير متعددة. وبرغم العدد الكبير من الوفيات نتيجة لهذا المرض، فإن علاج السل يتلقى 4% فقط من إجمالي مساعدات التنمية التي تنفق على الصحة، مقارنة بنحو 25% على الإيدز.

وإحدى المشاكل هنا هي أن اكتشاف مرض السل قد يكون صعبا، وخاصة في البلدان حيث الأنظمة الصحية ضعيفة. ولهذا السبب توصي منظمة الصحة العالمية بدورة وقائية من العقاقير تكلف 21 دولاراً فقط للشخص، بين السكان المعرضين لمخاطر عالية. والواقع أن العلاج فعّال إلى حد كبير، ومن الممكن أن يضيف إلى الحياة المنتجة عشرين عاما.

في مقابل نحو 8 مليارات دولار سنويا، من الممكن أن يتلقى العلاج كل المصابين بالسل تقريباً في مختلف أنحاء العالم ــ وهو الجهد الذي قد يعود بفوائد تبلغ قيمتها نحو 350 مليار دولار تقريبا. بعبارة أخرى، كل دولار ينفق على علاج السل قد يولد عائداً بقيمة 43 دولارا، الأمر الذي يجعله استثماراً جيداً بدرجة غير عادية.

ويُعَد مرض الملاريا من بين الأمراض القاتلة التي تؤثر بشكل غير متناسب على الفقراء والضعفاء. ففي الوقت الحالي، تحدث 90% من الوفيات الناجمة عن الملاريا في البلدان الواقعة جنوب الصحراء الكبرى في أفريقيا، و77% بين الأطفال دون سن الخامسة.

وهنا أيضا، يوجد حل فعّال من حيث التكلفة. في حين أن الأرتيميسينين يُعَد العلاج المضاد للملاريا الأكثر فعالية، فإن استخدامه على نطاق واسع يهدد بتغذية ظهور المقاومة بين الطفيليات المسببة للمرض. ولكن استخدام الأرتيميسينين مع مضاد آخر أو اثنين للملاريا من الممكن أن يؤخر تطور المقاومة، في حين يساعد في إنقاذ نحو نصف مليون إنسان كل عام. واستثمار نصف مليار دولار في مكافحة الملاريا من شأنه أن يجلب عائدات تقرب من عشرين مليار دولار (أو بشكل أكثر دقة، 36 دولاراً في مقابل كل دولار يُنفَق).

أما المرض القاتل الرئيسي الثالث فهو فيروس نقص المناعة البشرية المكتسبة/الإيدز، والذي نشأ حديثاً بالمقارنة بأمراض مثل السل والملاريا التي كانت موجودة منذ ألاف السنين. ورغم أن العلاج باستخدام العقاقير المضادة للفيروسات الرجعية حققت فارقاً هائلاً للأشخاص المصابين بالفيروس، فإنه ليس علاجاً رخيصا. فإنقاذ 200 ألف حياة في البلدان الأشد تضرراً سوف يتطلب نحو مليار دولار سنويا، حيث يعود كل دولار يُنفَق بنحو عشرة دولارات من الفوائد.

ولكن هناك خياراً أكثر كفاءة. فختان الذكور علاج يطبق لمرة واحدة ويمكنه تقليل فرص انتقال الفيروس إلى الرجال أثناء الممارسة الجنسية بنسبة 60%، ومع بعض التأخير، يمكنه أيضاً تقليل فرص الانتقال إلى النساء. ورغم أن فعالية هذا النهج لن تكون بقدر فعالية العلاج بالعقاقير على نطاق واسع، فإن تكلفته لا تتجاوز 30 مليون دولار سنويا ــ ويجلب فوائد تبلغ قيمتها نحو مليار دولار. وهذا يعني 28 دولاراً في مقابل كل دولار يُنفَق.

ونظراً للحجة القوية لصالح التصدي لقِلة محددة من الأمراض التي يمكن الوقاية منها أو علاجها، فقد يفترض المرء أن تحسين التغطية الصحية العامة للمساعدة في حماية السكان من كل الأمراض المعرضين لها من شأنه أن يجلب فوائد أعظم. على سبيل المثال، زعم أحد خبراء الاقتصاد العاملين على المشروع أن التركيز على حفنة من الأمراض الرئيسية يخلق جزراً من التميز في خضم بحر من الاختلالات.

ولكن في واقع الأمر، سوف يكون النهج الجامع باهظ التكلفة ــ وأقل كفاءة بدرجة كبيرة. إن تحسين الرعاية الصحية العامة للعالم النامي بالكامل يتكلف أكثر من 400 مليار دولار سنويا، ولن تتعدى الفوائد المترتبة عليه أربعة دولارات في مقابل كل دولار يُنفَق.

Fake news or real views Learn More

إن المبادرات المرتبطة بالصحة لديها القدرة ليس فقط على إنقاذ حياة البشر، بل وأيضاً تحويل حياتهم، وبالتالي لابد أن يكون لها مكان في أجندة التنمية العالمية الجديدة. ويكمن التحدي في تعيين المبادرات المحددة القادرة على تحقيق أعظم قدر من النفع بالاستعانة بالموارد المحدودة المتاحة. ويتعين على زعماء العالم أن يعكفوا على فحص ودراسة الأدلة بدقة من أجل التوصل إلى الاختيارات الذكية. وغني عن القول إن حياة الملايين من البشر تعتمد على هذا الجهد.

ترجمة: إبراهيم محمد علي          Translated by: Ibrahim M. Ali