12

التعافي العالمي ومخاطر الجانب السلبي

نيويورك ــ على مدار العامين المنصرمين، كان الاقتصاد العالمي ينمو، ولكنه كان متأرجحا بين فترات من التوسع السريع والتباطؤ. وخلال هذه الفترة، تسبب حدثان بشكل خاص في هبوط أسعار الأسهم الأميركية والعالمية بنحو 10%. فهل نشهد نشوء نمط جديد، أو أن التعافي العالمي المتقطع مهيأ للاستقرار؟

كان الحدث الأول في الفترة من أغسطس/آب إلى سبتمبر/أيلول 2015، عندما خشي العديد من المراقبين أن يكون اقتصاد الصين متجها نحو هبوط حاد. وكان الحدث الثاني في الفترة من يناير/كانون الثاني إلى فبراير/شباط 2016 ناجما أيضا عن مخاوف بشأن الصين. ولكن المستثمرين أيضا كانوا قلقين بشكل متزايد إزاء النمو المتوقف في الولايات المتحدة، وانهيار أسعار النفط والسلع الأساسية، وارتفاع أسعار فائدة بنك الاحتياطي الفيدرالي الأميركي بسرعة، فضلا عن السياسات النقدية غير التقليدية وأسعار الفائدة السلبية في أوروبا واليابان.

دام التباطؤ في كل من الفترتين نحو شهرين، وبالتالي بدأ تصحيح أسعار الأسهم ينقلب في الاتجاه المعاكس. ولم تتحقق مخاوف المستثمرين، كما بدأت البنوك المركزية تعمل على تخفيف سياساتها النقدية، أو في حالة بنك الاحتياطي الفيدرالي، تعليق رفع أسعار الفائدة مؤقتا.

كمثال ثالث، ربما يستشهد المرء بالفترة التي أعقبت الاستفتاء على خروج المملكة المتحدة من الاتحاد الأوروبي في يونيو/حزيران 2016. ولكن تلك الفترة كانت أقصر أمدا، ولم تتسبب في تباطؤ عالمي، وذلك نظرا لصِغَر حجم اقتصاد المملكة المتحدة والتيسير النقدي في ذلك الوقت. والواقع أن الاقتصاد العالمي، في الأشهر التي سبقت انتخاب دونالد ترمب رئيسا للولايات المتحدة في نوفمبر/تشرين الثاني الماضي، دخل فعليا فترة جديدة من التوسع ــ ولو أن النمو المحتمل في الاقتصادات المتقدمة والناشئة ظل منخفضا.

وربما لا نزال نعيش ما يسميه صندوق النقد الدولي "المتوسط الجديد" ــ أو ما يسميه الصينيون "المعتاد الجديد" ــ للنمو المحتمل المنخفض. ومع ذلك بدأ النشاط الاقتصادي ينتعش في الولايات المتحدة، وأوروبا، ومنطقة اليورو، واليابان، والأسواق الناشئة الرئيسية.

وقد استقر معدل النمو في الصين بفضل تدابير تحفيزية جديدة. كما كان الأداء أفضل في الأسواق الناشئة مثل الهند، وغيرها من الدول الآسيوية، بل وحتى روسيا والبرازيل ــ التي شهدت فترات من الركود في الفترة بين عام 2014 وعام 2016. وعلى هذا فحتى قبل أن تُلهِم الانتخابات الرئاسية الأميركية "صفقات ترمب"، أشارت "صفقة الإنعاش" إلى مرحلة جديدة من التوسع العالمي المتواضع.

تشير البيانات الاقتصادية الحديثة من مختلف أنحاء العالَم إلى أن النمو ربما يتسارع. ومع ذلك، لا يجوز لنا أن نستبعد احتمال تحول التوسع الحالي إلى تباطؤ عالمي جديد ــ إن لم يكن توقف صريح ــ إذا تحققت بعض المخاطر السلبية.

على سبيل المثال، كان من الواضح أن الأسواق متفائلة بقدوم ترمب أكثر مما ينبغي. فلن يتمكن الرئيس الأميركي من تمرير أي من سياسات النمو الراديكالية التي اقترحها؛ ولن تخلف أي تغييرات سياسية قد يتمكن من تحقيقها إلا بعض التأثير المحدود. وخلافا لما تدعيه توقعات ميزانية الإدارة الأميركية، فإن النمو الاقتصادي السنوي في الولايات المتحدة يكاد يفتقر إلى أي فرصة للتسارع من 2% إلى 3%.

في الوقت نفسه، استخفت الأسواق بالمخاطر المترتبة على مقترحات ترمب. على سبيل المثال، ربما تواصل الإدارة اتخاذ تدابير الحماية التي قد تعجل بنشوب حرب تجارية، وقد فرضت بالفعل قيودا على الهجرة والتي من شأنها أن تؤدي إلى انخفاض النمو في الأرجح، مع تآكل المعروض من العمالة.

وعلاوة على ذلك، ربما يستمر ترمب في المشاركة في الإدارة الجزئية للشركات، وهو ما قد يعطل الاستثمار في القطاع الخاص، وتشغيل العمالة، والإنتاج، وقرارات التسعير. ومن شأن مقترحاته المتعلقة بالسياسة المالية أن تقدم حوافز مفرطة لاقتصاد يقترب بالفعل من مستوى التشغيل الكامل للعمالة. وقد يضطر هذا بنك الاحتياطي الفيدرالي الأميركي إلى رفع أسعار الفائدة بسرعة أكبر، وهذا من شأنه أن يعرقل التعافي في الولايات المتحدة، من خلال زيادة تكاليف الاقتراض الطويل الأجل وتعزيز قيمة الدولار.

الواقع أن ترمب فرض قدرا عميقا من عدم اليقين المالي، حتى أن بنك الاحتياطي الفيدرالي ربما يخطئ في اتخاذ القرار بشأن سياساته الخاصة. فإذا لم يرفع سعر الفائدة بالسرعة الكافية، فربما يخرج التضخم عن نطاق السيطرة. وقد يضطر بنك الاحتياطي الفيدرالي إذا حدث ذلك إلى زيادة أسعار الفائدة بسرعة لمواكبة خطر التسبب في إحداث الركود. ومن المخاطر ذات الصلة أيضا أن تؤدي زيادة أسعار الفائدة بوتيرة أبطأ مما ينبغي إلى نشوء فقاعة الأصول وكل المخاطر المترتبة على انفجارها الحتمي ــ أسواق الائتمان المتجمدة، وارتفاع البطالة إلى عنان السماء، وهبوط معدلات الاستهلاك، وغير ذلك.

من غير المرجح أن ترتكب رئيسة مجلس الاحتياطي الفيدرالي الحالية أي خطأ. ولكن على مدار العام المقبل، سوف يحظى ترمب بخيار تعيين خمسة، وربما ستة، أعضاء جدد في مجلس محافظي بنك الاحتياطي الفيدرالي الذي يتألف من سبعة أعضاء. وإذا جاءت اختياراته رديئة، فسوف تزداد مخاطر ارتكاب أخطاء سياسية خطيرة بشكل كبير.

كما تستخف الأسواق بالمخاطر الجيوسياسية اليوم، والتي ينبع أغلبها من سياسات ترمب الخارجية المرتبكة المحفوفة بالمخاطر. وربما يتزعزع استقرار الاقتصاد العالمي بفِعل أي عدد من السيناريوهات التي تضم الولايات المتحدة. فالآن يبدو الصراع العسكري بين الولايات المتحدة وكوريا الشمالية محتملا. وربما يندلع صراع دبلوماسي أو عسكري بين الولايات المتحدة وإيران فيسفر عن صدمة في إمدادات النفط؛ أو حرب تجارية بين الولايات المتحدة والصين ربما تتصاعد إلى صراع جيوسياسي أكبر.

بيد أن ترمب ليس الخطر العالمي الوحيد. فقد لجأت الصين إلى جولة جديدة من الاستثمارات الثابتة الممولة بالائتمان لتثبيت استقرار معدل النمو. وهذا يعني أنها ستضطر إلى التعامل مع أصول أكثر سمية، فضلا عن الديون والروافع المالية والقدرة الفائضة في الأمد المتوسط. ولأن النمو والاستقرار الاقتصادي من البنود التي ستأتي على رأس الأجندة في المؤتمر الوطني للحزب الشيوعي الصيني في وقت لاحق من هذا العام، فإن المناقشات الدائرة حول كيفية إعادة التوازن إلى النمو وتنفيذ الإصلاحات البنيوية سوف تحتل مرتبة أدنى على الأجندة. ولكن إذا لم تدفع الصين عجلة الإصلاحات البنيوية ولم تعمل على احتواء انفجار الديون بحلول العام المقبل، فسوف تعود مخاطر الهبوط الحاد.

في مكان آخر، أدت نتائج الانتخابات الهولندية والفرنسية الأخيرة (والتوقعات الإيجابية للانتخابات الألمانية في سبتمبر/أيلول) إلى الحد من خطر وصول حكومة شعبوية إلى السلطة في أوروبا. ولكن يظل الاتحاد الأوروبي ومنطقة اليورو في حالة انسلاخ اقتصادي. وسوف تعود مخاوف السوق إزاء احتمالات تفكك منطقة اليورو إذا وصلت حركة النجوم الخمسة المعادية لليورو للسلطة في انتخابات إيطاليا المقبلة، والتي ربما تُعقَد في بداية هذا الخريف.

في العام القادم، سوف يعتمد التعافي العالمي الأكثر قوة وقدرة على الاستمرار إلى حد كبير على تمكن صناع السياسات من تجنب الأخطاء التي قد تتسبب في عرقلته. ونحن نعلم على الأقل أين قد تقع هذه الأخطاء في الأرجح.

ترجمة: إبراهيم محمد علي          Translated by: Ibrahim M. Ali