RMB banknotes in a wallet Zhang Peng/Getty Images

ثلاثة سيناريوهات للاقتصاد العالمي

نيويورك ــ على مدار السنوات القليلة الماضية، كان الاقتصاد العالمي متأرجحا بين فترات من التسارع (عندما يكون النمو إيجابيا ومتزايد القوة) وفترات من التباطؤ (عندما يكون النمو إيجابيا ولكنه متزايد الضعف). وبعد أكثر من عام كامل من التسارع الآن، تُرى هل يتجه العالَم نحو تباطؤ آخر، أو هل يستمر التعافي؟

The Year Ahead 2018

The world’s leading thinkers and policymakers examine what’s come apart in the past year, and anticipate what will define the year ahead.

Order now

كان الارتفاع الذي يشهده النمو وأسواق الأسهم حاليا مستمرا بقوة منذ صيف عام 2016. وعلى الرغم من العثرة القصيرة بعد التصويت لصالح خروج بريطانيا من الاتحاد الأوروبي، تمكن التسارع من الصمود ليس فقط في وجه انتخاب دونالد ترمب رئيسا للولايات المتحدة، بل وأيضا حالة عدم اليقين السياسي المتصاعدة والفوضى الجيوسياسية التي أحدثها انتخابه. وفي الاستجابة لهذه القدرة الواضحة على الصمود، ذهب صندوق النقد الدولي مؤخرا إلى رفع توقعاته في تقرير آفاق الاقتصاد العالمي، بعد أن وصف النمو العالمي في السنوات الأخيرة بـ"المتواضع الجديد".

ولكن هل تستمر طفرة النمو الأخيرة خلال السنوات القليلة المقبلة؟ أم أن العالَم يشهد الآن انتعاشا دوريا مؤقتا سرعان ما يخضع لتقلبات شديدة، كتلك التي أشعلت شرارة التباطؤ أكثر من مرة في السنوات الأخيرة؟ يكفي أن نتذكر صيف عام 2015 وأوائل عام 2016، عندما تسبب تزامن خوف المستثمرين من الهبوط الحاد في الصين، والخروج بسرعة مفرطة من سياسة أسعار الفائدة صِفر من قِبَل بنك الاحتياطي الفيدرالي الأميركي، وتباطؤ نمو الناتج المحلي الإجمالي الأميركي، وأسعار النفط المنخفضة، في إضعاف النمو بشدة.

بوسع المرء أن يتصور ثلاثة سيناريوهات محتملة للاقتصاد العالمي في السنوات الثلاث المقبلة أو نحو ذلك. في السيناريو المتفائل تنفذ الاقتصادات الأربعة الأكبر ذات الأهمية الجهازية عالميا ــ الصين، ومنطقة اليورو، واليابان، والولايات المتحدة ــ إصلاحات بنيوية تعمل على تعزيز النمو المحتمل وتعالج نقاط الضعف المالية. ومن خلال ضمان ارتباط الارتفاع الدوري بنمو محتمل وحقيقي أكثر قوة، فإن مثل هذه الجهود من شأنها أن تفضي إلى نمو قوي في الناتج المحلي الإجمالي، وتضخم منخفض ولكنه يتجه نحو الارتفاع باعتدال، واستقرار مالي نسبي لسنوات أخرى عديدة. وقد تحقق أسواق الأسهم العالمية مستويات جديدة من الارتفاع تبررها أساسيات نمو أقوى.

في السيناريو المتشائم يحدث العكس تماما: فتفشل الاقتصادات الكبرى على مستوى العالَم في تنفيذ الإصلاحات البنيوية الكفيلة بتعزيز النمو المحتمل. وبدلا من استخدام المؤتمر الوطني للحزب الشيوعي هذا الشهر كمحفز للإصلاح، تذهب الصين إلى ترحيل ما يجب عليها القيام به، وتستمر على طريق الاستدانة المفرطة والقدرة الفائضة. وتفشل منطقة اليورو في تحقيق قدر أكبر من التكامل، في حين تحد القيود السياسية من قدرة صناع السياسات الوطنية على تنفيذ إصلاحات بنيوية معززة للنمو. وتظل اليابان عالقة على مسار النمو المنخفض، في ظل إخفاق إصلاحات جانب العرض وتحرير التجارة ــ "السهم" الثالث في جعبة الاستراتيجية الاقتصادية التي انتهجها رئيس الوزراء شينزو آبي.

وفي الولايات المتحدة، تواصل إدارة ترمب وفقا لهذا السيناريو ملاحقة النهج السياسي ــ الذي يشمل الخفض الضريبي الذي يحابي الأغنياء بشكل ساحق، وتدابير الحماية التجارية، وفرض القيود على الهجرة ــ الذي ربما يؤدي إلى تقليص النمو المحتمل. وتؤدي الحوافز المالية المفرطة إلى ارتفاع هائل في مستويات العجز والدين، وهو ما من شأنه أن يسفر عن ارتفاع أسعار الفائدة وزيادة قوة الدولار، فيزداد النمو ضعفا. بل وربما تنتهي الحال بالرئيس ترمب، السعيد بالضغط على الزناد، إلى الدخول في صراع عسكري مع كوريا الشمالية ــ ثم إيران في وقت لاحق ــ مما يزيد من ضعف آفاق النمو الاقتصادي في أميركا.

في هذا السيناريو، يُفضي الافتقار إلى الإصلاح في الاقتصادات الكبرى إلى تقييد الارتفاع الدوري بفِعل النمو المنخفض. وإذا ظل النمو المحتمل منخفضا، فربما تؤدي السياسات النقدية والائتمانية المتساهلة في نهاية المطاف إلى تضخم أسعار السلع و/أو الأصول، على النحو الذي يؤدي في النهاية إلى التباطؤ الاقتصادي ــ بل وربما الركود الصريح والأزمة المالية ــ عندما تنفجر فقاعات الأصول أو ترتفع معدلات التضخم.

أما السيناريو الثالث ــ والأكثر ترجيحا في اعتقادي ــ فيكمن في مكان ما بين السيناريو الأول والسيناريو الثاني، حيث يستمر الارتفاع الدوري في النمو وأسواق الأسهم لبعض الوقت، مدفوعا بما تبقى من الرياح المواتية. ولكن في حين تلاحق الاقتصادات الكبرى بعض الإصلاحات البنيوية لتحسين النمو المحتمل، فإن وتيرة التغيير تُصبِح أبطأ كثيرا، ونطاقها أكثر تواضعا، من المستوى اللازم لتعظيم الإمكانات.

وفي الصين يعني هذا السيناريو المتخبط القيام بالقدر الكافي لتجنب الهبوط الحاد، ولكن ليس بما يكفي لتحقيق هبوط ناعم حقيقي؛ ومع ترك نقاط الضعف المالية بلا علاج، يصبح الضيق حتميا بمرور الوقت. وفي منطقة اليورو، يستتبع هذا السيناريو التقدم اسميا فقط نحو تكامل أكبر، مع استمرار ألمانيا في رفض تقاسم المخاطر الحقيقي أو تزايد حوافز الاتحاد المالي ضعفا في نظر الدول الأعضاء المتعثرة إلى الحد الذي يجعلها تمتنع عن التعهد بإصلاحات صعبة. وفي اليابان، تتجه إدارة آبي غير الفعّالة إلى تنفيذ الحد الأدنى من الإصلاحات، فيظل النمو المحتمل عالقا عند مستوى أقل من 1%.

في الولايات المتحدة، تظل رئاسة ترمب متقلبة، وغير فعّالة، مع إدراك عدد متزايد من الأميركيين أن ترمب مجرد حاكم ثري يحمي مصالح الأثرياء، على الرغم من مظهره الشعبوي؛ ويتمكن الركود من الطبقة المتوسطة؛ ولا تنمو الأجور إلا بالكاد؛ وتظل معدلات الاستهلاك والنمو هزيلة، عند مستوى لا يتجاوز 2%.

لكن المخاطر المترتبة على هذا السيناريو المتخبط تمتد إلى ما هو أبعد من الأداء الاقتصادي المتواضع. ولا يمثل هذا السيناريو توازنا مستقرا، بل يمثل توازنا مختلا غير مستقر وعُرضة للصدمات الاقتصادية والمالية والجيوسياسية. وعندما تنشأ مثل هذه الصدمات في نهاية المطاف، يميل الاقتصاد إلى التباطؤ، أو حتى الركود والأزمة المالية إذا كانت الصدمة كبيرة بالقدر الكافي.

بعبارة أخرى، إذا استمر العالم في التخبط ببساطة، كما يبدو مرجحا، فقد يواجه في غضون ثلاث إلى أربع سنوات توقعات نمو أكثر هبوطا. والدرس واضح: فإما أن يُبدي القادة السياسيون وصناع السياسات الزعامة الحقيقية اللازمة لتأمين آفاق أفضل في الأمد المتوسط، أو تتحقق مخاطر الجانب السلبي قبل أن يمر وقت طويل ــ فتلحق أشد الضرر بالاقتصاد العالمي.

ترجمة: إبراهيم محمد علي          Translated by: Ibrahim M. Ali

http://prosyn.org/d4cezQj/ar;

Handpicked to read next

  1. Patrick Kovarik/Getty Images

    The Summit of Climate Hopes

    Presidents, prime ministers, and policymakers gather in Paris today for the One Planet Summit. But with no senior US representative attending, is the 2015 Paris climate agreement still viable?

  2. Trump greets his supporters The Washington Post/Getty Images

    Populist Plutocracy and the Future of America

    • In the first year of his presidency, Donald Trump has consistently sold out the blue-collar, socially conservative whites who brought him to power, while pursuing policies to enrich his fellow plutocrats. 

    • Sooner or later, Trump's core supporters will wake up to this fact, so it is worth asking how far he might go to keep them on his side.
  3. Agents are bidding on at the auction of Leonardo da Vinci's 'Salvator Mundi' Eduardo Munoz Alvarez/Getty Images

    The Man Who Didn’t Save the World

    A Saudi prince has been revealed to be the buyer of Leonardo da Vinci's "Salvator Mundi," for which he spent $450.3 million. Had he given the money to the poor, as the subject of the painting instructed another rich man, he could have restored eyesight to nine million people, or enabled 13 million families to grow 50% more food.

  4.  An inside view of the 'AknRobotics' Anadolu Agency/Getty Images

    Two Myths About Automation

    While many people believe that technological progress and job destruction are accelerating dramatically, there is no evidence of either trend. In reality, total factor productivity, the best summary measure of the pace of technical change, has been stagnating since 2005 in the US and across the advanced-country world.

  5. A student shows a combo pictures of three dictators, Austrian born Hitler, Castro and Stalin with Viktor Orban Attila Kisbenedek/Getty Images

    The Hungarian Government’s Failed Campaign of Lies

    The Hungarian government has released the results of its "national consultation" on what it calls the "Soros Plan" to flood the country with Muslim migrants and refugees. But no such plan exists, only a taxpayer-funded propaganda campaign to help a corrupt administration deflect attention from its failure to fulfill Hungarians’ aspirations.

  6. Project Syndicate

    DEBATE: Should the Eurozone Impose Fiscal Union?

    French President Emmanuel Macron wants European leaders to appoint a eurozone finance minister as a way to ensure the single currency's long-term viability. But would it work, and, more fundamentally, is it necessary?

  7. The Year Ahead 2018

    The world’s leading thinkers and policymakers examine what’s come apart in the past year, and anticipate what will define the year ahead.

    Order now