Angela Merkel departs after preliminary coalition talks collapsed Sean Gallup/Getty Images

سقوط ألمانيا

ميونيخ ــ تشهد ألمانيا في الآونة الأخيرة نقطة تحول سياسي فاصلة. وليس الأمر أن خروج حزب الديمقراطيين الأحرار من محادثات الائتلاف ألقى بظلال من الشك على احتمالات بقاء المستشارة الألمانية أنجيلا ميركل من حزب الاتحاد الديمقراطي المسيحي في السلطة فحسب، بل إن انسحاب حزب الديمقراطيين الأحرار من المفاوضات مع حزب الاتحاد الديمقراطي المسيحي، وشقيقه البافاري حزب الاتحاد الاجتماعي المسيحي، وحزب الخُضر، يشير أيضا إلى انقضاء أي رغبة في تشكيل حكومات ائتلافية مستقرة، وهي الممارسة التي ظلت معتادة في السياسة الألمانية منذ أواخر أيام ولاية المستشار كونراد أديناور بعد الحرب.

The Year Ahead 2018

The world’s leading thinkers and policymakers examine what’s come apart in the past year, and anticipate what will define the year ahead.

Order now

بطبيعة الحال، من دون مشاركة حزب الديمقراطيين الأحرار، تستطيع ميركل أن تسعى إلى تشكيل حكومة ائتلافية مع حزب الديمقراطيين الاجتماعيين. ولكن حزب الديمقراطيين الاجتماعيين المدمر تقريبا يقول إنه عازم على البقاء في المعارضة، في محاولة للتعافي من هزيمته الساحقة في صناديق الاقتراع. ومن غير الوارد أيضا تشكيل أي ائتلاف محتمل آخر، لأن لا أحد ينظر إلى حزب من أقصى اليسار، أو حزب البديل من أجل ألمانيا من أقصى اليمين، باعتباره شريكا مقبولا.

ولكن من الممكن أن نتصور رغم ذلك حكومة أقلية بقيادة ميركل. ولأن الرئيس فرانك والتر شتاينماير أعرب عن نفوره من الدعوة إلى عقد انتخابات جديدة، فإن مثل هذا السيناريو قد يُصبِح مرجحا إذا لم تستقل ميركل بإرادتها. وحتى إذا أجريت انتخابات جديدة، فلن تأتي النتيجة مختلفة كثيرا، إلا إذا تنحى زعيم حزب الديمقراطيين الاجتماعيين مارتن شولتز.

وربما يمكن تشكيل حكومة أقلية بواسطة حزب الاتحاد الديمقراطي المسيحي وحزب الاتحاد الاجتماعي المسيحي دون مشاركة رسمية من أحزاب أخرى. وائتلاف الأقلية الذي يضم حزب الخُضر من شأنه أن يرغم حزب الاتحاد الاجتماعي المسيحي على تقديم تنازلات في ما يتصل بقضايا مثل الهجرة وسياسات المناخ، وهو ما قد لا يكون ضروريا لولا ذلك، نظرا لعجز حزب الديمقراطيين الاجتماعيين (من اليسار)، وحزب الخُضر عن منع إقرار التشريعات. وسوف تحاول ميركل ذاتها تجنب تشكيل ائتلاف أقلية مع حزب الديمقراطيين الأحرار، حتى يتسنى لها أن تتفادى الاعتماد عليه. ومن جانبه، يود حزب الديمقراطيين الأحرار لو يشارك في مثل هذه الحكومة لنفس السبب بالضبط. فهو بذلك يُصبِح قادرا على احتواء انجذاب ميركل للأخضر والأحمر (الديمقراطيين الاجتماعيين والاشتراكيين والخُضر).

الواقع أن حكومة الأقلية، أيا كانت عناصر تشكيلها، ليست أمرا سيئا بالضرورة. فمع سعي الحكومة إلى إيجاد شركاء لاستنان التشريعات حسب الطلب، يُصبِح البوندستاج (مجلس العموم في الهيئة التشريعية الألمانية) أخيرا موقعا للحوار العام الحقيقي مرة أخرى. فعلى مدار فترة طويلة، كانت الحكومات الائتلافية تتفاوض على قرارات الحكومة وراء الأبواب المغلقة، وكان البوندستاج إما أن يصدق على النتائج تلقائيا أو ينقضها.

وسوف يكون المستفيد الأكبر من تعزيز قوة البرلمان الأحزاب الصغيرة التي كانت لتحظى لولا ذلك بفرصة ضئيلة لتأكيد نفوذها. وفي المقام الأول من الأهمية، سوف يستفيد من الحوار المفتوح حزب البديل من أجل ألمانيا، الذي يُعَد النسخة الألمانية من حزب الجبهة الوطنية في فرنسا، والذي خرج من العدم كثالث أكبر حزب في ألمانيا في انتخابات سبتمبر/أيلول. حتى الآن، كان تركيز وسائل الإعلام منصبا إلى حد كبير على تشويه سمعة الحزب. ولكن البوندستاج الأكثر استباقية سيتحول حتما إلى منبر لاستعراض حجج وخطابة حزب البديل من أجل ألمانيا.

من ناحية أخرى، لا شك أن السياسة الخارجية لأي حكومة أقلية فيدرالية ستكون ضعيفة، وسوف تجد ميركل صعوبة كبيرة في الاضطلاع بدور نشط في السياسة الأوروبية. بيد أن هذا يعني أيضا أن شركاء ألمانيا الأوروبيين سيناضلون لفرض التنازل على الحكومة الألمانية. وسوف تشكل هذه الديناميكية أهمية خاصة لفرنسا، نظرا لهدف الرئيس إيمانويل ماكرون المتمثل في توطيد منطقة اليورو من خلال تزويدها بالمزيد من صِفات الدولة، ورغبته في الدفع إلى الأمام بأوروبا ذات السرعتين التي تتألف من منطقة اليورو ومجموعة ثانوية كبيرة من خارج منطقة اليورو تضم بلدان الشمال ودول الاتحاد الأوروبي الشرقية.

وسوف يكون لزاما على حكومة الأقلية في ألمانيا أن تعقد مناقشات مطولة مع كل المجموعات البرلمانية في البوندستاج حول كل قرار رئيسي قبل أن توافق على مقترحات ماكرون ــ أو أي شخص آخر. وتعني المعارضة الفعّالة في الداخل أن الحكومة لن تظل قادرة على الإذعان تحت ستار الليل لعمليات إنقاذ عديدة لشركاء ألمانيا في الاتحاد الأوروبي.

هذا هو ما حدث في مايو/أيار 2010، عندما أُجبِرَت حكومة ميركل، بواسطة الثلاثي الفرنسي الذي يتألف من رئيس البنك المركزي الأوروبي جان كلود تريشيه والمدير الإداري لصندوق النقد الدولي دومينيك شتراوس كان والرئيس الفرنسي نيكولا ساركوزي، على انتهاك معاهدة ماستريخت بإنشاء صندوق إنقاذ لدائني اليونان الأجانب، وأغلبهم بنوك فرنسية. كما اضطرت ألمانيا إلى التنازل في عام 2012، عندما دُفِعَت ميركل إلى الموافقة على إنشاء اتحاد مصرفي وبرنامج "المعاملات النقدية الصريحة" الذي تقدم به البنك المركزي الأوروبي، والذي حول سندات الحكومات الأوروبية فعليا إلى سندات اليورو.

على نحو مماثل، أصبحت قرارات ميركل التلقائية ــ مثل تحركها نحو التخلص التدريجي من الطاقة النووية في غضون بضعة أشهر من كارثة فوكوشيما في اليابان، أو السماح للاجئين بالدخول إلى ألمانيا من دول ثالثة آمنة ــ في حكم المستحيل الآن. وهو أمر مرحب به، لأن الساسة كثيرا ما يندفعون بفِعل زخم أفكارهم الخاصة إلى اتخاذ قرارات ذات عواقب وخيمة في الأمد البعيد.

فمع التخلص التدريجي من الطاقة النووية على سبيل المثال، لا تستطيع ألمانيا الآن أن تحترم تعهداتها بمكافحة تغير المناخ إلا بإلحاق الضرر بجزء من قاعدتها الصناعية، أو ربما خسارته بالكامل. وبالسماح لنحو 1.5 مليون مهاجر بالدخول في غضون عامين فقط، فرضت ألمانيا أيضا عبئا هائلا على دولة الرفاهة الاجتماعية، وشجعت أنصار الخروج البريطاني دون قصد، وحشدت كل أوروبا الشرقية ضدها.

من المبكر للغاية أن نجزم بكيفية حل عدم اليقين السياسي الذي يواجه ألمانيا وأوروبا الآن. لكن ميركل التي يمكن مساءلتها ومحاسبتها من قِبَل البوندستاج ربما تكون البديل الأفضل لدى ألمانيا الآن.

ترجمة: مايسة كامل          Translated by: Maysa Kamel

http://prosyn.org/NpIQ53m/ar;

Handpicked to read next

  1. An employee works at a chemical fiber weaving company VCG/Getty Images

    China in the Lead?

    For four decades, China has achieved unprecedented economic growth under a centralized, authoritarian political system, far outpacing growth in the Western liberal democracies. So, is Chinese President Xi Jinping right to double down on authoritarianism, and is the “China model” truly a viable rival to Western-style democratic capitalism?

  2. The assembly line at Ford Bill Pugliano/Getty Images

    Whither the Multilateral Trading System?

    The global economy today is dominated by three major players – China, the EU, and the US – with roughly equal trading volumes and limited incentive to fight for the rules-based global trading system. With cooperation unlikely, the world should prepare itself for the erosion of the World Trade Organization.

  3. Donald Trump Saul Loeb/Getty Images

    The Globalization of Our Discontent

    Globalization, which was supposed to benefit developed and developing countries alike, is now reviled almost everywhere, as the political backlash in Europe and the US has shown. The challenge is to minimize the risk that the backlash will intensify, and that starts by understanding – and avoiding – past mistakes.

  4. A general view of the Corn Market in the City of Manchester Christopher Furlong/Getty Images

    A Better British Story

    Despite all of the doom and gloom over the United Kingdom's impending withdrawal from the European Union, key manufacturing indicators are at their highest levels in four years, and the mood for investment may be improving. While parts of the UK are certainly weakening economically, others may finally be overcoming longstanding challenges.

  5. UK supermarket Waring Abbott/Getty Images

    The UK’s Multilateral Trade Future

    With Brexit looming, the UK has no choice but to redesign its future trading relationships. As a major producer of sophisticated components, its long-term trade strategy should focus on gaining deep and unfettered access to integrated cross-border supply chains – and that means adopting a multilateral approach.

  6. The Year Ahead 2018

    The world’s leading thinkers and policymakers examine what’s come apart in the past year, and anticipate what will define the year ahead.

    Order now