16

ألمانيا ستخسر إذا فشل ماكرون

فرانكفورت - عندما فاز ايمانويل ماكرون  في الانتخابات الرئاسية الفرنسية، شعر العديد من الألمان بالارتياح. وقد هزم هذا الوسطي المؤيد لأوروبا بشدة الشعبوية من اليمين المتطرف، وهي لوبا ن زعيمة الجبهة الوطنية. لكن إذا كان من الضروري حقا احتواء التهديد القومي لأوروبا، سيتعين على ألمانيا العمل مع ماكرون لمواجهة التحديات الاقتصادية التي دفعت الكثير من الناخبين إلى رفض الاتحاد الأوروبي.

هذا لن يكون سهلا. في الواقع، يومان قبل الانتخابات، تعرضت البنود الأساسية لبرنامج ماكرون الاقتصادية بالفعل لهجوم في ألمانيا. في البداية، فقد واجهت إصلاحاته المقترحة لحوكمة منطقة اليورو نقدا كبيرا.

وقد اعتمد بيان حملة ماكرون فكرة المزيد من الفيدرالية في منطقة اليورو، التي تتميز بميزانية مشتركة للسلع العامة في منطقة اليورو، ويديرها وزير الاقتصاد والمالية في منطقة اليورو وخاضعة للمساءلة أمام برلمان منطقة اليورو. ودعا أيضا إلى زيادة التنسيق بين النظم الضريبية ومراقبة الحدود، وتعزيز حماية سلامة السوق الداخلية، وفي ضوء التهديد المتزايد للحمائية في الولايات المتحدة، اتباع سياسة المشتريات "المصنوعة في أوروبا".

واعتبرت محاولة إعادة فتح النقاش حول السندات الأوروبية، أو التبادل الجزئي للالتزامات في القطاع العام في منطقة اليورو، فكرة بعيدة التحقيق. في الغالب هذا مجرد إلهاء الرأي العام. وبالصدفة، لا تبدو ضمن برنامج ماكرون. ومما يثير القلق الشديد للمندوبين وصناع القرار الألمان، رغبة ماكرون في الاستفادة من قدرة ألمانيا المالية على زيادة الطلب المحلي، مما يقلل من فائض الحساب الجاري الضخم.

هذه ليست أفكار جديدة: فالمفوضية الأوروبية، وصندوق النقد الدولي، وأسلاف ماكرون، والاقتصاديين في جميع أنحاء أوروبا عرضوا هذه الأفكار في كثير من الأحيان. وكما كان متوقعا، رفضتها الحكومة الألمانية رفضا قاطعا، اعتمادا على نفس المنطق الذي استعمل لاقتراحها.

وفي معظم الأحيان، يعتقد الاقتصاديون والمسؤولون الألمان أن السياسة الاقتصادية ينبغي أن تركز بشكل حصري على جانب العرض، وتشخيص ومعالجة المشاكل الهيكلية. ويشير المسؤولون الألمان أيضا بانتظام إلى أن اقتصادهم يشتغل على مقربة من حدود العرض.

في الواقع، ودون النظر إلى فائض الحساب الجاري كمشكلة سياسية، ترى الحكومة الألمانية أنها تعكس القدرة التنافسية الكامنة للشركات الألمانية. وهذه هي النتيجة الحميدة لنقابات العمال المسؤولة، التي تتيح المرونة المناسبة في الأجور على مستوى الشركات.

إن تراكم الأصول الأجنبية هو نتيجة منطقية لهذه الفوائض، ناهيك عن ضرورة المجتمع المسن. في الواقع، يرى صانعوا السياسات الألمان أنه من الضروري تخفيض نسبة الدين إلى الناتج المحلي الإجمالي في ألمانيا نحو الحد الأعلى الذي حددته القواعد الأوروبية بنسبة 60٪. فمتى لدى المرء فرصة للتوفير، إن لم يكن في الأوقات الجيدة؟

هذا الموقف لا ينسجم بشكل سلس وخاص مع برنامج ماكرون الاقتصادي. وبينما يتضمن برنامج ماكرون مقترحات مهمة لمعالجة قضايا العرض في الاقتصاد الفرنسي، فإنه يفضل أيضا تثبيت الإنتاج، والأهم من ذلك زيادة الإنفاق في مجالات مثل البنية التحتية العامة والرقمنة والطاقة النظيفة لتعزيز النمو المحتمل.

على الرغم من انتصار ماكرون الحاسم، اٍنه يواجه معركة شرسة لتنفيذ برنامجه الاقتصادي. وحتى لو وافقت الجمعية الوطنية، التي ستنتخب في يونيو/ حزيران، على برنامجه الإصلاحي، فاٍن المقاومة على مستوى الشارع لن تكون أقل شدة مما كانت عليه خلال السنوات القليلة الماضية.

غير أن ألمانيا لديها سبب وجيه لدعم إصلاحات ماكرون في العرض والطلب. في كل الآحوال، أصبحت فرنسا وألمانيا مترابطتان بشكل عميق، وهذا يعني أن ألمانيا لديها مصلحة في نجاح ماكرون.

واٍن كان صحيحا أن الحكومة الألمانية لا تستطيع (لحسن الحظ) أن تقوم بتحسين الأجور، فإنها تستطيع من باب المصلحة الذاتية المطلقة، أن توفر لمستقبلها المزيد من الاستثمار في رأسمالها البشري والاجتماعي - بما في ذلك المدارس، من رياض الأطفال إلى الجامعات، والبنية التحتية مثل الطرق والجسور وعرض النطاق الترددي. ومن شأن هذا النهج أن يقلص تكلفة المستخدم الخاص لرأس المال، مما سيجعل الاستثمار الخاص أكثر جاذبية. كما أنه سيخلق أصولا محلية حقيقية، مما سيقلل من تعرض ألمانيا لخطر الائتمان الأجنبي. فالفائض في الحساب الجاري ينطوي على موقف أكثر صرامة على صعيد الضمانات المالية بالنسبة لشركاء ألمانيا.

إذا لم تجد ألمانيا وماكرون أرضية مشتركة، فإن التكاليف ستكون ضخمة على حد سواء. ليس هناك أي طرف خارجي ضار يفرض الشعوبية على أوروبا؛ فقد برزت بشكل عضوي، مدعومة بمظالم حقيقية وواسعة الانتشار. وعلى الرغم من أن هذه المظالم ليست اقتصادية فقط، فإن جغرافية الشعبوية تتناسب مع ضائقة الاتحاد الأوروبي الاقتصادية: فالعديد من الأوروبيين تعرضوا للخسارة لفترة طويلة جدا. لذلك، إذا فشل ماكرون في الوفاء بوعوده، فإن لو بين ربما ستفوز في انتخابات فرنسا المقبلة.

ولتجنب هذه النتيجة، يجب على ماكرون أن يكون أكثر حزما من سابقيه في إتباع سياسات صعبة لكنها تعم بالفائدة في النهاية. قد يأخذ صفحة من مسرحية المستشار الألماني السابق جيرهارد شرودر. في عام 2003، أعطى شرودر الأولوية للإصلاحات على حساب الطاعة الصارمة لميثاق الاستقرار والنمو في الاتحاد الأوروبي. كانت هناك حاجة إلى مزيد من الفوارق المالية لتيسير تعديل الاقتصاد للإصلاحات الجريئة في سوق العمل التي كان يعرضها. وقد ثبت أن قرار إعطاء الأولوية للإصلاحات فيما يتعلق بإتباع قواعد عسيرة كان  أمرا جيدا.

الآن ينبغي العودة إلى زمن شرودر في سياسة ماكرون. ويبدو أيضا أنه اختار أسلوبا ذرائعيا ومنطقيا بشأن التنفيذ المتهور للقواعد الصارمة (التي لا يمكن أن تكون منطقية تحت أي ظرف من الظروف). ولحسن الحظ أن مبادئ السياسة ليست مكتوبة على الحجر، حتى في ألمانيا. كما أن الحكومة الألمانية رفضت بشدة الاتحاد المصرفي لمنطقة اليورو وآلية الاستقرار الأوروبية، وكلاهما تم إطلاقهما في نهاية المطاف (على الرغم من أن البعض يقول إن ذلك لم يكن كافيا، وجاء متأخر جدا).

تشهد أوروبا تحولا زلزاليا، مع تقويض نظامها السياسي من الداخل (وأصبحت عرضة للضغط الروسي من الخارج). وبدأ يترسخ الخوف من "الآخر" وكذا تصورات التجارة على أنها لعبة خاسرة. وتدعو هذه الظروف إلى اتخاذ إجراءات جريئة وملتزمة، ليس من جانب فرنسا فحسب، بل أيضا من جانب ألمانيا التي قد تفقد كل شيء في النهاية.