German chancellor Angela Merkel ODD ANDERSEN/AFP/Getty Images

ائتلاف ألمانيا الكبير الباهت

ميونيخ ــ اتفق الحزب الاشتراكي الديمقراطي، وحزب الاتحاد الديمقراطي المسيحي وتوأمه في بافاريا حزب الاتحاد الاجتماعي المسيحي على السعي لتشكيل حكومة "ائتلاف كبير" أخرى، ونشروا اتفاقا من 28 صفحة تلخص برنامج سياساتهم المقترح.

The Year Ahead 2018

The world’s leading thinkers and policymakers examine what’s come apart in the past year, and anticipate what will define the year ahead.

Order now

يأتي الاتفاق بعد أشهر من انتخابات قدمت خلالها الأحزاب الثلاثة آراء يغلب عليها الاختلاف بشأن السياسات الاقتصادية. فبينما ركز الحزب الاشتراكي الديمقراطي على الحاجة لمزيد من إعادة التوزيع ومزيد من الإنفاق العام، وعدحزبا الاتحاد الديمقراطي المسيحي والاتحاد الاجتماعي المسيحي بتنفيذ "تخفيضات ضريبية للجميع" وتبني سياسة أكثر تقييدا بالنسبة للاجئين. وهنا يبرز التساؤل عن مدى قدرة ائتلاف ينطوي على مثل هذه القوى المتباعدة أيديولوجيا على إعداد ألمانيا لمواجهة التحديات التي تنتظرها.

سيكون على صانعي السياسة الألمان في الشهور والسنوات القادمة إدارة الانتقال إلى العصر الرقمي حتى تحافظ الدولة على تنافسيتها. كما يتوجب عليهم أيضا ترسيخ مفهوم دولة الرفاهية في وقت ترتفع فيه نسبة كبار السن بوتيرة متسارعة. كذلك يجب عليهم تطوير سياسة حكيمة للهجرة. وفوق هذا البرنامج المحلي، يعول كثيرون على ألمانيا للحفاظ على وحدة وتماسك الاتحاد الأوروبي.

وكما بيّن كثير من المعلقين، ستستفيد حكومة ألمانيا الجديدة من فائض ميزانية موجود بالفعل، حيث ساهم ازدهار الاقتصاد، إضافة إلى خواص قانون الضرائب الألماني، في تعزيز الإيرادات الحكومية في السنوات الأربع الماضية. وحتى لو سعت الحكومة لتنفيذ سياسة الميزانية المتوازنة المنصوص عليها في اتفاقها الائتلافي المبدئي، فسيكون لديها حيز لزيادة الإنفاق أو لخفض الضرائب يصل إلى 46 مليار يورو (56 مليون دولار) ــ أي ما يعادل 0.3% من الناتج المحلي الإجمالي ــ خلال أربع سنوات قادمة.

ووفقا للاتفاق الائتلافي، سيخصص 36 مليار يورو من الفائض لمصارف متنوعة مثل تحويلات الأسر، وزيادة الإعانات الزراعية والإقليمية، وتقديم حوافز لتشييد المساكن، ومد وصيانة طرق وما يتعلق بها من أعمال البنية التحتية، وتشييد وصيانة مبان جامعية ومدرسية، وحتى الجيش.

وبهذا يتبقى 10 مليارات يورو فقط للتخفيضات الضريبية، والتي سوف تأخذ شكل تخفيضات في رسوم التضامن الإضافية، وهي ضريبة دخل استُحدثت عام 1991 لتمويل إعادة توحيد شطري ألمانيا. ويضع التحالف الكبير تصورا لإلغاء هذه الضريبة بالنسبة للجميع عدا العشرة بالمئة الأعلى دخلا بين السكان، الذين يدفعون أكثر من نصف العوائد الناتجة عن هذه الضريبة.

لكن عندما يفكر المرء في ما يحدث من "الانتقال لشريحة ضريبية أعلى لارتفاع الدخل بسبب التضخم"، يجد أن النظرة المستقبلية لدافعي الضرائب تسوء. فعلى عكس الحال في أغلب الدول المتقدمة، يفتقر النظام الضريبي في ألمانيا إلى آلية للتعديل التلقائي لمنع التضخم من دفع الأسر إلى شرائح ضريبية أعلى. ورغم وجود تعديلات تدخلية تقديرية، نجد أنها قلما تقدم تعويضا كاملا لعدد لا يحصى من الأسر التي ينتهي بها الحال إلى دفع ضرائب أكثر من المستحق عليها.

وفي الحقيقة، وفقا للمعدل الحالي للانتقال لشرائح ضريبية أعلى، سترتفع العوائد الضريبية في ألمانيا بمقدار 50 مليار يورو تقريبا خلال السنوات الأربع القادمة. ولن يفيد خفض رسوم التضامن الإضافية إلى النصف، والذي لن يحدث قبل عام 2021، في تعويض دافعي الضرائب بأي شكل من الأشكال.

بعد بيان هذا كله، لن يتحمس أحد بشكل كبير لهذا الاتفاق الائتلافي، بما في ذلك الحزب الاشتراكي الديمقراطي. فرغم تأكيد الاتفاق الائتلافي على مسألة الإنفاق، يتخوف الحزب الاشتراكي الديمقراطي من تعرض سمعته ووضعه أمام العامة لمزيد من الضرر جراء مشاركته في تحالف آخر كبير، مما قد يتسبب في تحول مزيد من ناخبيه إلى معسكرات اليسار المتطرف أو إلى حزب البديل من أجل ألمانيا اليميني المتطرف.

بالنسبة لآخرين، لا تكمن المشكلة في السياسة بل في البرنامج ذاته: فكل بنوده لا تحقق إلا القليل جدا. وعند توزيعها على أربع سنوات، نجد أن المبالغ الإضافية التي سيتم إنفاقها، وهي ملياري يورو على الدفاع، و600 مليون يورو على الجامعات، وأربعة مليارات يورور على الإسكان، لن تحدث فارقا كبيرا.

وبينما تَعِد خطة الائتلاف أيضا بزيادة مساهمات ألمانيا في ميزانية الاتحاد الأوروبي، وبمزيد من الإنفاق على معاشات الأمهات والأسر المنخفضة الدخل، لكنها لا تحدد كيفية مواءمة هذه الزيادات مع ميزانية متوازنة يخطط الائتلاف لها.

الأهم من ذلك افتقاد البرنامج للطموح والاتجاه. فهو لا يقدم عونا ملموسا للطبقة المتوسطة من خلال خفض الضرائب، ولا يخصص استثمارا كافيا للبحث، أو البنية التحتية، أو التعليم. كما أنه لا يشير من قريب أو بعيد للضرائب على الشركات، حتى في ظل خفض معدلات الضرائب في الولايات المتحدة، والتخفيضات المقررة في فرنسا وبريطانيا، والتي ستجذب حتما الاستثمارات والوظائف من ألمانيا.

وإن برنامجا جريئا للسياسات بحق كان سيطلب من الحكومة التركيز على أولويات بعينها، وقبول مبدأ أنه لا يمكن للجميع الحصول على ما يريدون. وبدلا من تعديل وتحسين الهوامش في محاولة عقيمة لإسعاد الجميع، كان أحرى بالحكومة أن تركز أنظارها على إصلاحات هيكلية أعمق لوضع الأساس لنمو واستقرار مستقبلي.

على سبيل المثال، تنفق ألمانيا مليارات اليوروات كل عام على برامج دعم الطاقة الخضراء. لكن، وفقا لاعتراف الاتفاق الائتلافي المبدئي، يرجح أن تخفق ألمانيا في الوصول لمعدلها المستهدف لخفض انبعاثات ثاني أكسيد الكربون بحلول عام 2020، مما يشير إلى أن برامج الدعم هذه لم تؤت ثمارها. وكان من شأن تنفيذ إصلاحات أساسية في هذا المجال أن تجعل سياسات المناخ الألمانية أرخص تكلفة وأكثر فعالية في نفس الوقت. غير أن ذلك كان ليتطلب من الحكومة التخلي عن موقفها الأيديولوجي وتحدي مجموعات المصالح ذات النفوذ.

بالرغم من ذلك، ينطوي الاتفاق الائتلافي على بعض الأفكار الواعدة، ومنها مثلا اقتراح برنامج لجذب العمال المهرة، والتوفيق بين سياسات الهجرة الألمانية ومصالح الدولة الاقتصادية. ومع أنه كان ينبغي للحكومة الجديدة إضافة شروط للجزئية الخاصة بمساهمة ألمانيا الأكبر في ميزانية الاتحاد الأوروبي، بهدف منع إهدار النفقات، فلابد أن نرحب بالتزامها الصريح بالاتحاد الأوروبي.

لا يزال هناك وقت أمام شركاء التحالف كي ينقحوا برنامجهم. وبالتأكيد عليهم أن يسعوا لفعل ما هو أكثر من استغلال الازدهار الاقتصادي الحالي لتوزيع نشرات مجانية تافهة على الدوائر الانتخابية المختلفة (واستثني منها بالطبع تلك الدوائر التي تدفع أعلى معدلات ضريبية). لقد آن الأوان لأن نشرع في إعداد ألمانيا لمواجهة ما ينتظرها من تحديات مستقبلية.

ترجمة: أيمن السملاوي          Translated by: Ayman Al-Semellawi

http://prosyn.org/1epWmTJ/ar;

Handpicked to read next