10

آخر الرجال الصامدين

لندن ــ يبدو أن قسما كبيرا من الساحة الجيوسياسية يتبع الحبكة الروائية للدراما التلفزيونية "لعبة العروش"، حيث ترزح بلدان عديدة تحت وطأة الضغوط السياسية والاقتصادية حتى يصبح أملها الوحيد أن ينهار خصومها قبل أن تنهار هي. ولهذا، تتشبث حكومات هذه البلدان بالسلطة في حين تستغل نقاط الضعف الداخلية لدى الخصوم.

ويُعَد الرئيس الروسي فلاديمير بوتن مثالا في الصميم في هذا السياق. فقد تبدو حملاته الأخيرة في سوريا وأوكرانيا أشبه بتصرفات قرصان جيوسياسي. ولكن أصل هذا النزوع إلى المغامرة يرجع إلى الضعف الداخلي. فكان ضم روسيا لشبه جزيرة القرم على سبيل المثال محاولة لتزويد نظام بوتن في عموم الأمر بشرعية متجددة في أعقاب شتاء السخط، عندما نزل المتظاهرون إلى الشوارع احتجاجا على عودته إلى الرئاسة.

وقد فرضت القوى المنافسة ــ وأبرزها الولايات المتحدة والاتحاد الأوروبي ــ العقوبات على روسيا على أمل توسيع الشقوق في صفوف النخبة الروسية، استغلالا لحقيقة مفادها أن بوتن لم يعمل على تنويع اقتصاده بعيدا عن النفط والغاز. ويأمل بوتن بدوره أن يظل اقتصاد روسيا طافيا لفترة كافية لانهيار أوكرانيا. وفي  التعجيل بهذه العملية، لم يدخر الكرملين جهدا لزعزعة استقرار البلاد: فأطلق توغلات عسكرية، وتلاعب بسياسة الكرملين مستخدما الابتزاز في مجال الطاقة، وانخرط في حرب المعلومات.

يرى بوتن أن الاتحاد الأوروبي يعاني من نفس العيوب التي شابت الاتحاد السوفيتي في الماضي، معتبرا إياه مشروعا متعدد الجنسيات مغرقا في المثالية ولابد أن ينهار تحت وطأة تناقضاته. وهنا أيضا بذل الكرملين قصارى جهده للتعجيل بالانهيار، من خلال دعم أحزاب اليمين المتطرف في مختلف بلدان الاتحاد الأوروبي. ويبدو أن بوتن يأمل أن يفقد الاتحاد الأوروبي قدرته على الإبقاء على العقوبات إذا صوتت المملكة المتحدة لصالح الخروج البريطاني وانتُخِبَت مارين لوبان زعيمة الجبهة الوطنية رئيسة لفرنسا.