4

قواعد تجميع الجينات

كليفلاند ــ لآلاف السنين، استخدم البشر الهندسة الجينية (الوراثية) للسيطرة على تطور النباتات والحيوانات. لذا فمن المحتم أن نستخدمها في صياغة العملية التي تحكم تطورنا نحن. والواقع أن جهودنا في هذا المجال كانت متواضعة حتى الآن: بدأت خدمات التعارف على شبكة الإنترنت في التوفيق بين المشتركين على أساس التوافق الجيني؛ وبدأ الآباء في فحص الأجنة والسماح فقط بولادة الأجنة التي تتمتع بأكبر قدر من الصحة الجينية؛ ويحسن علماء الوراثة ببطء من قدرتهم على التعامل مع الحمض النووي بشكل مباشر؛ ولا أحد يحاول إحداث تغيرات في البشر يمكن انتقالها جينياً إلى الأجيال المقبلة.

إن الهندسة التطورية البشرية كاملة النطاق لا تزال بعيدة المنال، ولكن عند مرحلة ما من المستقبل فقد تصبح عملاً روتينيا. والواقع أن التحدي الذي يواجه البشرية يتألف من شقين: البقاء على قيد الحياة لفترة كافية للوصول إلى تلك النقطة، وإحداث أقل ضرر ممكن في محاولة تحقيق هذه الغاية.

 1972 Hoover Dam

Trump and the End of the West?

As the US president-elect fills his administration, the direction of American policy is coming into focus. Project Syndicate contributors interpret what’s on the horizon.

والأطفال هم الفئة الأكثر عُرضة لخطر التلاعب بمادتهم الجينية بطرق ضارة. وقد يكون الضرر بدنيا (موت الجنين داخل الرحم، والتشوهات، والاضطرابات الوراثية)؛ ولكن حتى الهندسة الوراثية التي تحقق نجاحاً من الناحية التقنية قد تلحق بالأطفال أضراراً نفسية إلى الحد الذي قد يحمل أقرانهم على تجنبهم لغرابة مظهرهم أو لمجرد كونهم "مختلفين".

وعلى المستوى المجتمعي، فإن الهندسة الوراثية التي لا يستطيع سوى الأثرياء تحمل تكاليفها من شأنها أن تهدد التماسك الاجتماعي من خلال استبعاد مبدأ تكافؤ الفرص. وقد تنشأ طبقات منعزلة من هؤلاء الذين يملكون "الثروة الوراثية" وأولئك الذين لا يملكونها، حيث من المحتمل أن تؤدي العزلة الإنجابية إلى إنتاج تغيرات بدنية من شأنها أن تجعل التناسل بين الطبقات أمراً مستحيلا. وفي نهاية المطاف، قد يؤدي هذا إلى نشوء جنس بشري متميز.

ولأن كل الأجناس البشرية غير جنسنا لم تتمكن من البقاء (اختفى إنسان فلوريس قبل نحو ثمانية عشر ألف عام)، فإن احتمالات التعايش المتناغم بين أجناس بشرية مختلفة في المستقبل ليست مطمئنة. وفي أسوأ الحالات، قد ينمحي خط النسب الجيني البشري بالكامل بسبب الصراع بين الأجناس المختلفة.

وحتى في غياب تشكل تطوري لنوع جديد، فإن نفس النتيجة قد تحدث من خلال فقدان التنوع الجيني: فإذا اختار الجميع نفس السمات لذريتهم، فإن أحفادهم لن يتمكنوا من الصمود في مواجهة أية تحديات بيئية مفاجئة وغير متوقعة.

كثيراً ما يعرب علماء الوراثة عن تشككهم في مثل هذه التوقعات. على سبيل ال��ثال، أشار أحد المراجعين لكتابي الأخير، الكتابة في العلوم، إلى مدى ضآلة التأثير الذي قد تخلفه "مجموعة قليلة من الأفراد المهندسين وراثيا" على مجموع الجينات البشرية. ولكن في حين أنه من الصحيح حقاً أن كارثة الهندسة الجينية لن تباغت الجنس البشري بالكامل في أي وقت قريب، فإن تكنولوجيات الهندسة الوراثية القائمة بالفعل كفيلة بإلحاق الضرر بأفراد من الأطفال: والشاهد على هذا الزيادة في معدلات الولادات المبكرة وانخفاض وزن المواليد في ما يرتبط بالتخصيب في المختبر (أطفال الأنابيب). كما بدأت القرارات الإنجابية التي تعكس التفضيل الثقافي للذكور في إنتاج مشاكل اجتماعية في بلدان مثل الصين والهند.

والأمر ببساطة هو أن الهندسة التطورية البشرية، في غياب أي معوقات غير معروفة ولا يمكن التنبؤ بها، من المرجح أن تنتشر في المستقبل على نطاق واسع بالقدر الكافي لفرض مخاطر تهدد الجنس البشري بالكامل. لذا، ففي حين قد لا يكون من الضروري توظيف التدابير الكفيلة بمنع الضرر في المستقبل الآن، فمن المنطقي أن نسعى إلى تحديد التدابير التي قد نحتاج إليها، فضلاً عن التغييرات التي قد تكون مطلوبة في القواعد والسلوكيات الاجتماعية لتنفيذ هذه التدابير.

إن العديد من المخاطر المرتبطة بالهندسة التطورية تنشأ بسبب قرارات خاطئة يتخذها الآباء. ذلك أن الآباء الحريصين على منح أطفالهم مزايا اجتماعية قد يتخذون قرارات إنجابية استناداً إلى معلومات جينية مغلوطة أو غير كاملة، أو ربما يسعون إلى إحداث تغيرات جينية في نسلهم قبل أن يتم إجراء اختبارات السلامة الكافية.

والواقع أن تحديد متى يجوز التدخل في اختيارات الآباء أمر صعب للغاية، نظراً للقدر الكبير الذي يلقاه الآباء عادة من المراعاة والاحترام. إن أغلب الدول لديها قوانين تهدف إلى حماية الأطفال من إساءة المعاملة والإهمال. ولكن التشريعات التي تحمي رفاهة الأطفال لا تعالج بالقدر الكافي الأضرار التي قد تحدث أو تبدأ قبل الولادة، ولا تحدد أي من أنماط الهندسة التطورية قد يكون مقبولا.

إن أغلب القرارات المتعلقة بالإنجاب لا يستطيع الآباء اتخاذها من دون مساعد المهنيين مثل الأطباء، لذا فقد يكون من الضروري تنظيم السلوك المهني أيضا. ورغم أن بعض مكونات البنية الأساسية، مثل قوانين الترخيص للأطباء، قائمة بالفعل، فإن الأمر قد يتطلب اتخاذ خطوات إضافية، مثل إحكام القيود التي تنظم عمل عيادات معالجة العقم، حيث سيتم الكثير من تدخلات الهندسة الجينية. ولابد فضلاً عن ذلك من إرساء القواعد اللازمة لتقييم سلامة وفعالية التكنولوجيات الجديدة في ما يتعلق بالمستفيدين المباشرين أو ذريتهم.

إن بعض أشكال الهندسة التطورية التي لا تحلق ضرراً مباشراً بالأفراد، والتي بالتالي لن تخضع لهذه التنظيمات، مثل القرارات التي يتخذها كل الآباء لإحداث نفس التغيرات الجينية في ذريتهم، قد تهدد قدرة النسب البشري على البقاء. وقد تتعامل أنظمة الصحة العامة مع هذه المخاوف، ولكن في ضوء الجهود التي بذلت في الماضي من قِبَل مسؤولين لتوظيف علم الوراثة في تحسين الصحة العامة ــ وعلى الأخص، حركة تحسين النسل في أوائل القرن العشرين، وما صاحب ذلك من حملات تعقيم قسرية مروعة ــ فمن الأهمية بمكان أن نضمن إخضاع مثل هذه القوة للحكمة والتروي وإقامتها على أسس علمية سليمة.

Fake news or real views Learn More

وأخيرا، إذا أتيح لقلة من أفراد المجتمع أن يتمتعوا بميزات جينية كبيرة، فإن هذا يعني تهديد التماسك الاجتماعي والمؤسسات الديمقراطية حتى على افتراض غياب أي ضرر مادي مباشر. وإذا كان لذريتنا أن يستفيدوا من الهندسة الوراثية التي نسمح بها الآن فلابد أن تكون متاحة على أوسع نطاق ممكن.

ترجمة: مايسة كامل          Translated by: Maysa Kamel