25

الانتخابات الفرنسية ومستقبل أوروبا

برلين– يمكن أن يحدث الكثير بدءا من الآن وحتى الجولة الثانية من انتخابات الرئاسة الفرنسية يوم 7 مايو/ أيار، ولذلك لم يحن الوقت بعد للاحتفال. لكن استمرار المرشحة الشعبية مارين لوبان في المنافسة حتى الآن، إلا أن العديد من المراقبين يأملون حقا أن يصبح الفائز الأول في الجولة، إيمانويل ماكرون، هو الرئيس المقبل لفرنسا.

مع انتصار ماكرون، سوف تتفادى أوروبا التدمير الذاتي مرة أخرى. ومن المؤكد أن فوز لوبان في الانتخابات سيؤدي إلى نهاية الاتحاد الأوروبي. وبإخراج فرنسا من منطقة اليورو، كما وعدت بذلك لوبان، سوف ينهار اليورو نفسه، مما سيؤدي إلى تفكك السوق المشتركة للاتحاد الأوروبي والمؤسسات الأساسية الأخرى بسهولة. وستصبح أوروبا مهددة بالانهيار، وستفقد ستين عاما من التقدم السياسي والاقتصادي والاجتماعي الذي حققته.

وعلاوة على ذلك، تريد لوبان سحب فرنسا من حلف شمال الأطلسي ومواصلة علاقات الصداقة مع روسيا فلاديمير بوتين. وهذا من شأنه أن يلقي بالترتيبات الأمنية الحالية في جميع أنحاء أوروبا في حالة من الفوضى، وربما يؤدي إلى الذعر بين المستثمرين ويتسبب للقارة في أزمة اقتصادية حادة. كما لا يمكن التنبؤ بالعواقب السياسية.

بعد تصويت فرنسا في الجولة الثانية، من المرجح أن تجتنب أوروبا هذا السيناريو المروع في الوقت الحاضر - ولكن ماذا عن السنوات الخمس المقبلة؟ ومع ذلك، لتجنب وقوع كارثة مستقبلية، يجب على القادة الأوروبيين تعلم الدروس الصحيحة من الانتخابات الفرنسية لهذا العام.

بداية، من مصلحة أوروبا فوز الرئيس ماكرون. ويعتمد مستقبل الاتحاد الأوروبي، وخاصة مستقبل ألمانيا، على نجاح رئاسة ماكرون لرفع الضيق الاقتصادي الطويل عن فرنسا وحل أزمة هويتها.

وتشكل فرنسا الضعيفة اقتصاديا وغير الآمنة سياسيا خطرا كبيرا على المشروع الأوروبي بأكمله، لأن فرنسا في تلك الوضعية سوف تستسلم حتما لنوع القومية المناهضة لأوروبا التي تمثلها لوبان. وفي الوقت نفسه، فإن فرنسا القوية والواثقة بنفسها ضرورية لبقاء الاتحاد الأوروبي على المدى الطويل.

وسواء أكانت رئاسة ماكرون ناجحة أم لا، فستعتمد على قدرته على معالجة الانقسامات الاجتماعية في فرنسا، واستعادة ديناميتها الاقتصادية، ومعالجة ارتفاع معدلات البطالة، ولاسيما بين الشباب. وينبغي ألا يغيب عن بالنا أن نصف الناخبين الفرنسيين تقريبا صوتوا لصالح المرشحين الأوروبيين المعارضين لأوروبا في الجولة الأولى. ولا يمكن للاتحاد الأوروبي أن ينجو من إجراء المزيد من الانتخابات بهذا النوع من النتائج، وبالتالي فإن "العمل كالمعتاد" لم يعد خيارا.

وقبل كل شيء، سيتعين على الرئيس الفرنسي القادم استعادة النمو الاقتصادي. ونفس الشيء يمكن أن يقال لجميع الدول الأعضاء الأخرى في منطقة اليورو. وبعد الانتخابات العامة التي ستجرى في ألمانيا في سبتمبر/ أيلول، ستضطر الحكومة في النهاية إلى إتباع سياسة اقتصادية أكثر قوة، ما لم ترغب في إخلاء  الساحة للقوميين الذين سيدمرون الاتحاد الأوربي.

وعلى الرغم من أن ألمانيا قدمت حججا صحيحة للدفاع عن عائداتها المالية والخارجية، إلا أن نموذجها الاقتصادي الحالي فشل في تحفيز النمو الكافي في منطقة اليورو لتحقيق الاستقرار في العملة الموحدة. وسيتطلب تحقيق هذا الهدف التوصل إلى توافق جديد في الآراء بين شمال أوروبا وجنوبها، بقيادة ألمانيا وفرنسا.

كما سيتطلب الأمر من ألمانيا أن تتخذ أخيرا خطوات حاسمة نحو تلبية الاحتياجات الاقتصادية لفرنسا، وتبديد الوهم بأن الاتحاد الأوروبي يستطيع النجاة في ظل نظام القيادة الألمانية. إن الاتحاد الأوروبي كيان معقد لا يمكن أن يقوده إلا محور فرنسي ألماني قوي يعمل بالتنسيق مع الدول الأعضاء الأخرى. وهذا أيضا درس دائم ينبغي أن يتعلمه القادة الأوروبيون من الانتخابات الفرنسية.

ويتعين على ماكرون، من جانبه، تجنب الفخ الذي وقع فيه سلفيه نيكولاس ساركوزي وفرانسوا هولاند. وقد اتفق كلاهما بشكل وثيق جدا مع المستشارة الألمانية أنجيلا ميركل، وبالتالي لم يتمكنا من مواجهة الحكومة الألمانية عند الضرورة. على سبيل المثال، أراهن أنه لو قامت فرنسا بجهد أكبر من أجل تحدي المعارضة الألمانية ليوروبوندز، فإن الشعبويين المناهضين لأوروبا على اليمين واليسار لما اكتسبوا الزخم السياسي الذي حصلوا عليه في السنوات الأخيرة. إن الصراع البناء في أوروبا ضروري أحيانا. وبدونه، سيبقي الاتحاد الأوروبي غامضا.

ومع وصول الانتخابات الرئاسية الفرنسية إلى نهايتها، فإن وصف أوروبا بأنها "مجتمع مصيري" لا يزال صحيحا، حتى بعد 60 عاما. وفي السابع من مايو/ أيار، ستقرر فرنسا ليس فقط مصيرها، بل أيضا مصير الاتحاد الأوروبي بأكمله. فيجب على الأوروبيين أن يبتهجوا- لكن بعد ذلك عليهم العمل بجد.