woods38_THOMAS WIRTHAFP via Getty Images_ena THOMAS WIRTH/AFP via Getty Images

تشكيل نخبة جديدة

أوكسفورد- أعلن الرئيس الفرنسي، إيمانويل ماكرون، في 8 نيسان/أبريل، أنه سيغلق المدرسة الفرنسية العليا للقيادة العامة التي تقتصر على الطلبة من النخبة، وهي المدرسة الوطنية للإدارة. ويقول ماكرون، وهو خريج نفس المدرسة، أنه يريد تشجيع تكافؤ الفرص، والتميز الوطني، والاستجابة بصورة أفضل لتحديات كوفيد-19. إلا أنه من الأرجح أن إغلاق المدرسة لن يمثل سوى خطوة ضعيفة نحو تحقيق هذا الهدف.

ومن المفارقات، أن المدرسة أسسها الجنرال، شارل ديغول، في عام 1945 بهدف تفكيك النخبة الفرنسية، والإطاحة بنظام المحسوبية والمحاباة الذي أنتج إدارة عامة فاسدة وغير فعالة. لذلك، كان القبول في المدرسة يخضع لامتحان تنافسي مع منح الناجحين راتبا مقابل دراستهم.

وبالمثل، سعت إصلاحات "نورثكوت-تريفيليان" في المملكة المتحدة، قبل قرن من الزمان، إلى جعل التوظيف قائما على اجتياز امتحانات مفتوحة وتنافسية، والترقية على أساس الجدارة. واستندت إلى خبرة "السير تشارلز تريفليان" في استئصال الفساد في الخدمة المدنية الهندية في بريطانيا، وكذلك إلى نموذج الصين الإمبراطورية. وبعد ذلك، سعت جميع البلدان تقريبًا، بما في ذلك الولايات المتحدة، واليابان، والصين، وغانا، ونيجيريا- إلى ترسيخ مبدأ الجدارة في إدارتها العامة، واعتمد العديد منها على الاختبارات.

وتكمن المشكلة اليوم في أن نظام الامتحانات لم يعد يصلح لتحديد المواهب وتكافؤ الفرص، بل أدى بدلاً من ذلك إلى تغذية سوق متنامية في مجال التعليم التحضيري الخاص المكلِف، الذي يعود بالفائدة على الطلاب الأشد ثراءً. لذلك، في حين أن 29٪ من طلاب المدرسة في الخمسينيات من القرن الماضي كانوا ينحدرون من خلفيات الطبقة العاملة، تراجعت هذه النسبة إلى 9٪ فقط عند حلول عام 2003.

وبالمثل، يُنظر الآن إلى اختبارات الالتحاق بالجامعات الأمريكية الموحدة، والتي كانت تهدف في الأصل إلى مساعدة أفضل الجامعات على تنويع مجموعة المتقدمين لديها بما يتجاوز الطلاب الأغنياء من المدارس الخاصة، على أنها "دليل على الامتياز". وهذا العام، حدثت ثورة عندما أدت اضطرابات فيروس كورونا المستجد، كوفيد-19، إلى اضطرار أقسام القبول بالجامعة إلى جعل نتائج الاختبارات اختيارية. إذ أدى ذلك إلى زيادة هائلة في الطلبات المقدمة إلى المدارس العليا، وتعزيز التنوع في صفوف السنة الأولى. إذ أبلغت جامعة كاليفورنيا في لوس أنجلوس، على سبيل المثال، عن زيادة بنسبة 48٪ في المتقدمين الأمريكيين من أصل أفريقي، وزيادة بنسبة 33٪ في المتقدمين من أصل إسباني، وزيادة بنسبة 16٪ في المتقدمين من الهنود الأمريكين.

وحتى وقت قريب، في المملكة المتحدة، كان التلاميذ من المدارس الخاصة ذات الرسوم، أكثر احتمالًا سبع مرات للحصول على مقعد في "أكسفورد" أو "كامبريدج" مقارنة مع غيرهم ممن ينتمون إلى مدارس حكومية غير انتقائية. وتستخدم أكسفورد الآن البيانات السياقية التي تراعي الخلفيات الفردية للطلاب لفهم إنجازاتهم، مما يؤدي إلى زيادة التنوع في مرحلة الدراسات الجامعية.

Subscribe to Project Syndicate
Bundle2021_web4

Subscribe to Project Syndicate

Enjoy unlimited access to the ideas and opinions of the world's leading thinkers, including weekly long reads, book reviews, topical collections, and interviews; The Year Ahead annual print magazine; the complete PS archive; and more. All for less than $9 a month.

Subscribe Now

ثم هناك مشكلة اعتماد جامعات النخبة نفسها إلى حد كبير على الامتحانات لاختبار طلابها، والتنقيب عنهم، وتصنيفهم، كما تشتهر بذلك المدرسة الوطنية للإدارة. (حيث جاء ماكرون في المرتبة الخامسة في مجموعته). وقد يركز النهج الأكثر فعالية على المهارات الشخصية الضرورية لتقديم خدمة عامة جيدة، مثل تعلم تعبئة الآخرين، ودعمهم، وتشجيعهم، وتمييز قدرات الناس. ولن تكون الخدمة العامة المتنوعة أكثر قوة إلا إذا كان المسؤولون يعرفون كيف يجعلون التنوع قوة.

وكانت المدرسة الوطنية للإدارة حلاً لتحديين رئيسيين. إذ في عام 1945، احتاجت فرنسا إلى جذب أفضل المواهب الممكنة إلى إدارتها العامة من أجل إعادة البناء بعد الحرب العالمية الثانية. كذلك، كانت الحكومة بحاجة إلى فهم مجموعة واسعة من المواطنين وتمثيلهم، بما في ذلك الأغنياء والفقراء، وإثبات أنها يمكن أن تقدم لهم خدمة أفضل من تلك التي تستطيع الشيوعية تقديمها.

واليوم، تواجه العديد من الحكومات مهمة مماثلة. إذ لإعادة البناء من الوباء بسرعة (كما تفعل الصين بالفعل)، يجب عليها التدخل بعد عقود من التراجع. وعليها إعادة بناء ثقة عامة الناس في مواجهة رد الفعل الشعبوي القوي ضد الحكومة "النخبوية".

لذلك يجب أن يعكس نظام القبول الذي تعتمده المدارس المهنية ما يحتاجه القطاع العام، بدلا مما هو ملائم إداريًا. وقد يعني هذا، الاعتماد بدرجة أقل على درجات الاختبار، وبدرجة أكبر على التدابير البديلة لقياس القدرة التي تتطلب وقتًا، وحكمًا من ذوي الخبرة، وموارد كافية لتطويرها وتنفيذها. وسيقتضي تثقيف القادة من القطاع العام من مؤسسات القطاع العام الاستثمار في دعم دراسات موظفيها، وجمع الأموال على نطاق واسع حتى تتمكن مجموعة متنوعة من الطلاب من الحضور.

ويمثل إبقاء هؤلاء القادة في الخدمة العامة تحديًا آخر. فعند سؤال أحد الطلاب الجدد عن سبب اختيار خريجي المدرسة بصورة متزايدة للقطاع الخاص بدلا من الإدارة في القطاع العام، قال إن الوزارات الحكومية الفرنسية توظف شركات استشارية كبيرة لاتخاذ قرارات استراتيجية اتخذها الخريجون ذات مرة.

ووقعت الحكومة الفرنسية ما لا يقل عن 575 عقدًا مع شركات استشارية خاصة منذ تشرين الأول/أكتوبر 2018، للحصول على خدمات بما في ذلك تطوير خطط التعافي الاقتصادي، ورسم خطة انتقال خالٍ من الكربون، والمساعدة في مكافحة كوفيد-19. ويبدو أن شركة "كامبني أند ماكنزي"، هي من يقود حملة طرح اللقاح في البلاد وليس وزارة الصحة. وبالمثل، أنشئ نظام اختبار وتتبع كوفيد-19 في المملكة المتحدة بالكامل تقريبًا من قبل الاستشاريين وشركات التعاقد الخارجي؛ بل لجأت حكومة المملكة المتحدة إلى الاستشاريين لتقديم المشورة لها بشأن الطريقة التي ستقلل بها من اعتمادها على الاستشاريين.

وإذا أعطت الحكومات العمل في المجال السياساتي لشركات خارجية، فسيغادر بعض أفضل موظفي الخدمة المدنية. وبالمقابل، تقوم الوكالات العامة الذكية، في سنغافورة على سبيل المثال، بإعطاء المهام التي تكتسي أهمية استراتيجية لأفضل موظفيها من أجل الاحتفاظ بهم وتطوير مهاراتهم.

وفضلا عن ذلك، عندما يقوم السياسيون ومستشاروهم بتشويه سمعة "البيروقراطيين" أو "الفقاعة" (كما وصف مستشار سابق لحكومة المملكة المتحدة الخدمة المدنية البريطانية)، فربما يكونون بصدد خلق نبوءة تتحقق من تلقاء نفسها. وإذا كانت الرواية تقول أن القطاع العام عديم الفائدة، فكيف نأمل في أن يجتذب أو يحافظ على شخصيات بارزة؟

لقد سلط طرح لقاح كوفيد-19 الناجح في بريطانيا الضوء على فوائد إبقاء الحكومة في مقعد القيادة، مدعومة بقادة القطاع الخاص المستعدين للمساعدة دون مقابل. ويجمع هذا الترتيب بين أفضل ما في القطاع العام- ثقة الناس في المؤسسات التي تقوم بتلقيحهم- مع مزايا نهج رأس المال الاستثماري الذي يُعتمد لتقييم المخاطر وتخصيص الموارد.

وبعد ثلاثة أسابيع من إعلان ماكرون، أصبح من الواضح الآن أنه لا يغلق المدرسة الوطنية للإدارة بل يخفض عدد الطلبة الذين يلتحقون بها سنويا (من 80 طالبًا إلى 40) ويعيد تسميتها. ولكن التحدي الذي يواجه فرنسا هو بناء إدارة عامة طموحة بما يكفي لجذب الأشخاص ذوي الأهداف والمواهب، وفي نفس الوقت منفتحة بما يكفي لقبول طلبات التسجيل من شريحة عريضة من المجتمع. إن العبث مع المدرسة لن يحقق ذلك.

ترجمة: نعيمة أبروش  Translated by Naima Abarouch

https://prosyn.org/B9X9CITar