30

أسس الاقتصاد الفاشل في اليونان

نيويورك ــ كثيرون من الساسة وأهل الاقتصاد يعتبرون تدابير التقشف ــ التي ألح دائنو اليونان على فرضها ــ مسؤولة عن انهيار الاقتصاد اليوناني. ولكن البيانات لا تُظهِر قدراً لافتاً للنظر من التقشف بالمقاييس التاريخية، ولم تكن التخفيضات التي فرضتها الحكومة شديدة بالقدر الكافي لتفسير الخسارة الضخمة للوظائف. بل تُظهِر البيانات عِلل اقتصادية تمتد جذورها إلى قيم ومعتقدات المجتمع اليوناني.

الواقع أن القطاع العام في اليونان عامر بالمحسوبية (لكسب الأصوات) ومحاباة الأصدقاء المقربين (لكسب الحظوة والامتياز) ــ على نحو غير مشهود في أجزاء أخرى من أوروبا. فالحد الأقصى لمعاشات تقاعد موظفي القطاع العام نسبة إلى الأجور يكاد يعادل ضعفي نظيره في أسبانيا؛ وتحابي الحكومة النخب من رجال الأعمال بإعفائهم من الضرائب؛ ويتقاضى بعض الموظفين رواتبهم من دون حتى الذهاب إلى العمل.

ويعاني القطاع الخاص أيضاً من بعض الأمراض الخطيرة ــ وأبرزها النفوذ القوي الذي يتمتع به أصحاب المصالح الخاصة والنخب السياسية في البلاد من رجال الأعمال والساسة. ووفقاً لأحدث البيانات المتاحة، تبلغ الأرباح كحصة من دخل الشركات في اليونان مستوى هائلاً يتجاوز 46%. وتأتي إيطاليا في المرتبة الثانية بنسبة 42%، وفرنسا المرتبة الثالثة بنسبة 41%. (تبلغ النسبة في ألمانيا 39%؛ وفي الولايات المتحدة 35%؛ والمملكة المتحدة 32%). ويحصل المطلعين من الداخل على إعانات الدعم والعقود، أما الغرباء فيجدون صعوبة كبيرة في اقتحام هذه الدائرة المغلقة. والأمر المذهل أن رجال الأعمال الشباب في اليونان يتجنبون تسجيل شركاتهم في اليونان، خشية أن يستخدم آخرون وثائق مزورة للاستيلاء على شركاتهم. ووفقاً للبنك الدولي فإن اليونان تُعَد واحدة من أصعب الأماكن في أوروبا لتأسيس شركة. والنتيجة هي أن المنافسة على الحصص في السوق أصبحت ضعيفة وبات عدد الشركات التي ربما تعرض أفكاراً جديدة ضئيلا.

ينبع هذا النظام الواهن من القيم المصالح الخاصة للشركات في اليونان، والتي تؤكد على الحماية الاجتماعية، والتضامن بدلاً من المنافسة، وعدم الارتياح للتغير غير المنضبط. وربما تكون هذه القيم مفيدة في الحياة الأسرية؛ ولكنها حتى مع أفضل النوايا تشكل وصفة لاقتصاد ساكن ووظائف غير مجزية.