Traders sit in front of a board Frank Rumpenhorst/Getty Images

لماذا تستخف الأسواق المالية بالمخاطر

كمبريدج ــ خلال القسم الأعظم من عام 2017، كان مؤشر تقلب أسعار الخيارات التابع لمجلس شيكاغو عند أدنى مستوياته خلال العقد المنصرم. ومؤخرا، هبط مؤشر تقلب أسعار الخيارات إلى ما دون تسعة، وهو مستوى أقل حتى مما كان عليه في مارس/آذار 2007، قبيل اندلاع أزمة الرهن العقاري الثانوي التي كادت تفجر النظام المالي العالمي. ويبدو أن المستثمرين يفشلون مرة أخرى في تقدير مدى خطورة هذا العالَم.

يقيس مؤشر تقلب أسعار الخيارات، المعروف شعبيا باسم "مؤشر الخوف"، حساسية الأسواق المالية لعدم اليقين ــ أي الاحتمال المتصور لحدوث تقلبات كبيرة في قيمة سوق الأسهم ــ كما تعكسها أسعار خيارات مؤشر الأسهم. فيشير انخفاض مؤشر تقلب أسعار الخيارات إلى فترة من "المخاطر"، عندما "يسعى المستثمرون وراء العائد"، فيستعيضون عن سندات الخزانة الأميركية وغيرها من الأوراق المالية الآمنة بأصول أكثر خطورة مثل الأسهم، وسندات الشركات، والعقارات، وعملات المراجحة.

وهذا حيث أصبحنا اليوم، على الرغم من مجموعة متنوعة من المخاطر الفعلية التي تواجه الاقتصاد. وفي حين من المحتمل أن يظل كل من هذه المخاطر منخفضا في أي شهر بعينه، فإن عددها الكبير إلى هذا الحد غير المعتاد يعني ضمنا احتمالا قويا إلى حد معقول أن يتحقق واحد من هذه المخاطر على الأقل على مدار السنوات القليلة المقبلة.

يتلخص الخطر الأول في انفجار فقاعة سوق البورصة. فقد سجلت أسواق الأسهم الكبرى ارتفاعات غير مسبوقة في سبتمبر/أيلول، في الولايات المتحدة وأماكن أخرى، وأسعار الأسهم مرتفعة نسبة إلى مؤشرات المعايرة مثل الإيرادات والأرباح. فالآن أصبحت نسبة مكاسب الأسعار، المعدلة دوريا وفقا لمؤشر روبرت شيلر، أعلى من 30 ــ وهو مستوى لم يسبق الوصول إليه سوى مرتين من قبل، في ذروة عام 1929 ثم ذروة عام 2000، وكل منهما تلاه انهيار سوق الأسهم.

ونحن نواجه أيضا خطر انفجار فقاعة سوق السندات. فقد اقترح مؤخرا رئيس بنك الاحتياطي الفيدرالي الأميركي السابق ألان جرينسبان أن قيمة سوق السندات مبالغ في تقديرها (أو "ممتلئة بالحماس بشكل غير عقلاني") مقارنة بسوق الأسهم.

وقد اعتادت السوق على هبوط عائدات السندات: فقد اتخذت كل من سندات الشركات والسندات الحكومية اتجاها نحو الانخفاض من عام 1981 إلى عام 2016. ولكن أسعار الفائدة من غير الممكن أن تنخفض إلى مستويات أدنى مما هي عليه اليوم؛ بل إنها من المتوقع أن ترتفع، وخاصة في الولايات المتحدة، برغم أن البنك المركزي الأوروبي وبنوك مركزية رئيسية أخرى يبدو أنها تدخل دورة من إحكام السياسات. وإذا تسببت أي زيادة في التضخم على سبيل المثال في توليد توقعات بأن بنك الاحتياطي الفيدرالي يعتزم رفع أسعار الفائدة بشكل أكثر قوة، فقد ينتج عن ذلك انهيار سوق الأسهم أو سوق السندات.

The World’s Opinion Page

Help support Project Syndicate’s mission

subscribe now

والمخاطر الجيوسياسية مرتفعة أيضا ــ بل إنها نادرا ما كانت أعلى مما هي عليه اليوم، ولم يكن مستوى اليقين في قدرة الزعامة العالمية الأميركية المثبتة للاستقرار أدنى مما هو عليه الآن. ويرتبط أشد المخاطر حِدة بتقدم البرنامج النووي في كوريا الشمالية، ولكن هناك أيضا مخاطر كبيرة في الشرق الأوسط وأماكن أخرى.

وتتفاقم حدة هذه المخاطر بفِعل الرئيس الأميركي دونالد ترمب، الذي ارتكب عددا من أخطاء السياسة الخارجية، من إساءة التعامل مع أزمة كوريا الشمالية إلى التهديد بإلغاء الاتفاق النووي مع إيران. وحتى الآن، كانت العواقب المترتبة على خطاب ترمب الجامح على الجبهة الداخلية محدودة، لأن أغلبه لم يترجم إلى تشريع. ولكنه على الصعيد الدولي، ربما يخلف عواقب كارثية.

وإلى جانب نزوات ترمب تعاني السياسة الأميركية من أزمة أوسع نطاقا. فبرغم أن المواجهات في الكونجرس الأميركي حول سقف الديون لم تُسفِر عن تعطيل الحكومة هذا الشهر، فلم ينجح قادة الولايات المتحدة إلا في ترحيل المسألة إلى نهاية هذا العام، عندما تكون المخاطر أعلى والمأزق أكثر صعوبة. بل وربما تواجه الولايات المتحدة أزمة دستورية، إذا توصل المستشار الخاص روبرت مولر على سبيل المثال إلى أدلة تشير إلى اتصال غير قانوني بين حملة ترمب والحكومة الروسية.

عندما انخفض مؤشر تقلب أسعار الخيارات إلى مستوى مماثل لذلك الذي الذي بلغه اليوم آخر مرة، في عام 2006 وأوائل عام 2007، كان بوسع المرء أن يستخلص قائمة طويلة من الأزمات المحتملة. وعلى نحو أكثر وضوحا، كانت أسعار المساكن في المملكة المتحدة والولايات المتحدة عند مستويات غير مسبوقة من الارتفاع مقارنة بمؤشرات مثل الإيجار، الأمر الذي زاد من خطر الانهيار. ومع ذلك تصرفت الأسواق كما لو كانت المخاطر منخفضة، الأمر الذي دفع أسعار مؤشر تقلب أسعار الخيارات وسندات الخزانة الأميركية إلى الانخفاض، ودفع أسعار الأسهم، والسندات غير المرغوبة، والأوراق المالية في الأسواق الناشئة إلى الارتفاع.

وعندما انهارت سوق الإسكان، اعتُبِر ذلك الانهيار مفاجأة. فأعلن المحللون أن الانهيار يقع خارج أي توزيع معياري للاحتمالات يمكن تقديره بالاستعانة ببيانات سابقة، وهو بالتالي حدث نادر الحدوث (البجعة السوداء)، أو خطر لا يمكن قياسه، أو عدم يقين جذري، أو مجهول مجهول. وزعم المحللون أن أسعار المساكن لم تنخفض من قبل قط بالقيمة الاسمية على أية حال.

ولكن برغم أن أسعار المساكن الاسمية لم تهبط في الولايات المتحدة في السنوات السبعين الماضية، فإنها هبطت في اليابان في تسعينيات القرن العشرين، وفي الولايات المتحدة في الثلاثينيات. وبالتالي، لم تكن هذه حالة خطر غير قابل للقياس، بل حالة عدم يقين كلاسيكية، حيث كانت مجموعة البيانات التي تولد توزيع الاحتمالات مقتصرة دون داع على بضعة عقود من الملاحظات المحلية.

ومن هذا المنطلق، فإن مصطلح "البجعة السوداء" هو الأكثر ملائمة ــ بل هو أكثر ملاءمة مما يدرك أولئك الذين يستخدمونه. استشهد الفلاسفة البريطانيون في القرن التاسع عشر بأحداث "البجعة السوداء" النادرة الحدوث باعتبارها مثالا جوهريا لظاهرة لا يمكن الاستدلال على حدوثها من البيانات الملحوظة. ولكن هذا عكس أيضا الفشل في جمع البيانات من عدد كاف من الدول أو على مدار عدة قرون. (البجعة السوداء نوع أسترالي تعرف عليه علماء الطيور في القرن الثامن عشر).

وقد تبين أن هذا النوع من الإخفاق في إلقاء نظرة واسعة بالقدر الكافي هو السبب الأساسي وراء استخفاف المستثمرين بالمخاطر بشكل دوري. فالصيغ المستخدمة لتسعير الخيارات، على سبيل المثال، تتطلب تقديرا إحصائيا للتباين. وعلى نحو مماثل، تتطلب صيغة تسعير الأوراق المالية المدعومة بالرهن العقاري تقديرا إحصائيا لتوزيع تواتر التخلف عن السداد. ويقدر المحللون هذه العوامل المتغيرة عن طريق إدراج السنوات القليلة الأخيرة فقط من البيانات المتوفرة لأي دولة. وعلاوة على ذلك، في دورة الازدهار والكساد التي وصفها هيمان مينسكي، تعمل فترة من التقلبات المنخفضة على تهدئة المستثمرين وإغرائهم بشعور زائف بالأمان، فيدفعهم هذا إلى الإفراط في الاستدانة وفي نهاية المطاف إنتاج الانهيار.

ربما يقوم المستثمرون بإعادة تقييم المخاطر التي تؤثر على الاقتصاد اليوم، وسوف ينضبط مؤشر تقلب أسعار الخيارات في نهاية المطاف. ولكن إذا كان لنا أن نسترشد بالتاريخ، فإن هذا لن يحدث قبل أن تقع فعليا الصدمة السلبية التالية أياً كانت.

ترجمة: مايسة كامل          Translated by: Maysa Kamel

http://prosyn.org/uryvUW8/ar;

Handpicked to read next

  1. Television sets showing a news report on Xi Jinping's speech Anthony Wallace/Getty Images

    Empowering China’s New Miracle Workers

    China’s success in the next five years will depend largely on how well the government manages the tensions underlying its complex agenda. In particular, China’s leaders will need to balance a muscular Communist Party, setting standards and protecting the public interest, with an empowered market, driving the economy into the future.

  2. United States Supreme Court Hisham Ibrahim/Getty Images

    The Sovereignty that Really Matters

    The preference of some countries to isolate themselves within their borders is anachronistic and self-defeating, but it would be a serious mistake for others, fearing contagion, to respond by imposing strict isolation. Even in states that have succumbed to reductionist discourses, much of the population has not.

  3.  The price of Euro and US dollars Daniel Leal Olivas/Getty Images

    Resurrecting Creditor Adjustment

    When the Bretton Woods Agreement was hashed out in 1944, it was agreed that countries with current-account deficits should be able to limit temporarily purchases of goods from countries running surpluses. In the ensuing 73 years, the so-called "scarce-currency clause" has been largely forgotten; but it may be time to bring it back.

  4. Leaders of the Russian Revolution in Red Square Keystone France/Getty Images

    Trump’s Republican Collaborators

    Republican leaders have a choice: they can either continue to collaborate with President Donald Trump, thereby courting disaster, or they can renounce him, finally putting their country’s democracy ahead of loyalty to their party tribe. They are hardly the first politicians to face such a decision.

  5. Angela Merkel, Theresa May and Emmanuel Macron John Thys/Getty Images

    How Money Could Unblock the Brexit Talks

    With talks on the UK's withdrawal from the EU stalled, negotiators should shift to the temporary “transition” Prime Minister Theresa May officially requested last month. Above all, the negotiators should focus immediately on the British budget contributions that will be required to make an orderly transition possible.

  6. Ksenia Sobchak Mladlen Antonov/Getty Images

    Is Vladimir Putin Losing His Grip?

    In recent decades, as President Vladimir Putin has entrenched his authority, Russia has seemed to be moving backward socially and economically. But while the Kremlin knows that it must reverse this trajectory, genuine reform would be incompatible with the kleptocratic character of Putin’s regime.

  7. Right-wing parties hold conference Thomas Lohnes/Getty Images

    Rage Against the Elites

    • With the advantage of hindsight, four recent books bring to bear diverse perspectives on the West’s current populist moment. 
    • Taken together, they help us to understand what that moment is and how it arrived, while reminding us that history is contingent, not inevitable


    Global Bookmark

    Distinguished thinkers review the world’s most important new books on politics, economics, and international affairs.

  8. Treasury Secretary Steven Mnuchin Bill Clark/Getty Images

    Don’t Bank on Bankruptcy for Banks

    As a part of their efforts to roll back the 2010 Dodd-Frank Act, congressional Republicans have approved a measure that would have courts, rather than regulators, oversee megabank bankruptcies. It is now up to the Trump administration to decide if it wants to set the stage for a repeat of the Lehman Brothers collapse in 2008.