0

فتاوى دوت كوم

قطع الرأس على الهواء، و الفتاوى على الخط : على شبكة الإنترنت للمعلومات نستطيع أن نجد أعداداً لا تحصى من المواقع التابعة للعالم السري للجماعات الإسلامية المتطرفة. يتمكن هؤلاء المتطرفون المتطورون تكنولوجياً من الوصول بأفكارهم إلى جمهور عريض من الناس. ولكن السبب وراء وجود هذا الجمهور يرجع في الأساس إلى الاستياء العميق والغضب الذي يعتمل في نفوس العديد من شباب المسلمين في كل مكان. لقد ساعدت شبكة الإنترنت على الجمع بين أفراد مجتمع عالمي يشتركون في الشعور بالغربة والمرارة.

ينظر الغرب إلى هذا الغضب باعتباره إشارة إلى صدام أو صراع بين الحضارات: " نحن " في مواجهة " هم "، وهذا يعني ضمناً أن النصر لن يُكتَب إلا لجانب واحد. لكن الغضب الذي يعتمل في نفوس شباب المسلمين جاء في الأساس كرد فعل ناجم عن اشمئزازهم من زعمائهم الفاسدين، أو بعبارة أخرى، إنها مرارة ترجع إلى أسباب ذات جذور مادية ولا تتعلق بمشاعر متعصبة غير عاقلة معادية للديمقراطية لابد من إعادة تربية مناصريها أو سحقهم.

Chicago Pollution

Climate Change in the Trumpocene Age

Bo Lidegaard argues that the US president-elect’s ability to derail global progress toward a green economy is more limited than many believe.

تبدأ المشكلة عند قمة المجتمعات المسلمة، وليس بين الساخطين عند القاع. فلقد فشل الحكام المسلمون في أغلب الأحوال في إشباع احتياجات شعوبهم. وفي نفس الوقت، فإن أنظمة الحكم الاستبدادية، في كثير من أنحاء العالم الإسلامي، تحاول نشر أشكال استبعادية (تستبعد كل من عداها) من العقيدة الإسلامية وتسعى إلى فرض هيمنتها عليها.

ولقد نجحت هذه الأنظمة الحاكمة ـ سواء الشيعة في إيران أو الوهابية في السعودية ـ لأعوام طويلة في قمع أشكال التعددية والفردية. ولكن مع النظرة المتزايدة إلى هذه الأنظمة باعتبارها أنظمة غير شرعية من الناحية السياسية، فقد أصبح النموذج الذي يمثلونه للإسلام بلا مصداقية. وعلى هذا فإن المحبطين والساخطين يبحثون عن إسلام يستطيع تحقيق آمالهم.

ومما يساعد على انتشار هذه المواقع الإلكترونية العديدة، التي تجذب هؤلاء الساخطين، عدم وجود سلطة مركزية للأمة الإسلامية اليوم. وبمبادرة الأنظمة الاستبدادية إلى إذلال وإهانة وتجريم أي تيار إسلامي لا يتفق مع العقيدة السائدة، فهي بهذا لم تستأصل التعددية، بل أرغمتها على اللجوء إلى عالم سري تحت الأرض. وتسمح تكنولوجيا اليوم لأفراد هذا العالم السري بالتخاطب واللقاء.

وفي مواجهة القمع اكتسب الإسلام الذي يتحدث عبر الإنترنت صفة السلطة الشرعية. لكن الإسلام كان دوماً وبشكل تقليدي ميالاً إلى التعددية والتسامح مع الاختلافات. ولقد قال الخليفة على بن أبي طالب ذات يوم: " اختلاف أمتنا قوة ". ولأكثر من ألف عام في ظل حكام مكة التقليديين من الهاشميين من آل بيت النبي محمد عليه الصلاة والسلام، كانت كل الطوائف والفرق تتناقش وتتناظر وتتبادل المعارف في الحرم المكي.

في الحقيقة، قبل الحكم السعودي/الوهابي في عام 1932 كانت مكة مدينة عالمية مفتوحة للجميع. وكان أتباع المذاهب السنية الأربعة بالإضافة إلى الشيعة والزيدية والإسماعيلية إلى آخره، وأتباع الأصول والأعراق المختلفة ـ الهنود، وأهل آسيا الوسطى، والفرس، والمغاربة، والأفارقة، والأتراك ـ يدركون الاختلاف بينهم ويعترفون به، لكنهم ينتسبون جميعاً إلى مصدر واحد، ألا وهو القرآن.

لكن الوهابيين أرادوا أن يخصصوا مكة لتصبح مقراً لنسختهم من الإسلام ومصدراً لعقيدتهم التي تستبعد كل من عداها. ولقد نجح الوهابيون في هذا لفترة من الوقت. لكننا اليوم نشهد فشل المشروع الوهابي في احتكار الإسلام واستغلاله. فمما لا يدعو للدهشة أن الفتاوى من ذلك النوع الذي كان يصدره بن باز رجل الدين ذو المكانة الأعلى في النظام الوهابي، مثل تلك الفتوى الشهيرة التي أصدرها قبل حرب الخليج الأولى، والتي أعلن بمقتضاها أن الأرض مُسطّحة، قد فقدت سلطتها ومصداقيتها اليوم. إن الجهل، مقترناً بالفساد المستشري ورياء النظام، قد أفرغ هذه الأحكام الدينية من المغزى والمعنى.

وفي أعقاب هذا جاء السطو على الإسلام من قِبَل رجال متطرفين غاضبين تربوا على العقيدة الوهابية لكنهم أصيبوا بخيبة أمل في العالم الذي ورثوه. فأصبحت الفتاوى من بعد بن باز ، بشكل يكاد يكون مستديماً، مروِّعة، بما بلغته من تعصب وخبث، وبرداء الرجعية ومعاداة الحداثة الذي اكتست به. إن هذه الفتاوى لا تتصادم مع الغرب فحسب، بل ومع العصر الذهبي للإسلام، حين ازدهر الفلكيون وعلماء الرياضيات والأطباء والفلاسفة والشعراء من المسلمين. وعلى الرغم من أن الإنترنت تبدو وكأنها تعمل على تجديد التعددية الإسلامية، فإن فتاوى اليوم على المواقع الإلكترونية تعد بمثابة أوامر غير قابلة للتفاوض، ولا تمثل دعوة إلى الإبداع من جديد.

تتنافس اليوم المئات من المواقع الإلكترونية على الفوز بلقب " مكة الجديدة "، المكان الذي يتحول إليه كافة المسلمون الأتقياء طلباً للهداية. فتروج أكثر تلك المواقع تطرفاً لأفكار تنظيم القاعدة وأفكار التنظيمات الشبيهة. ومن ضمن هذا، الاحتفال برجل شاب على وشك الاستشهاد بقنبلة انتحارية. بينما اتجهت مواقع أخرى، على الرغم من أنها أقل تأييداً للعنف، إلى توسيع نطاق المعصية والإثم ليشمل تعلم اللغة الإنجليزية، ودراسة العلوم، والسماح للنساء باستخدام الإنترنت في غير حضرة وصي من الذكور.

Fake news or real views Learn More

مثل هذا النوع من الفتاوى يغذي العداوة والبغضاء ليس فقط تجاه الغرب، بل ونحو المسلمين الآخرين أيضاً. فيدعو الوهابيون من رجال الدين، على سبيل المثال، إلى الجهاد ضد " المهرطقين " من الشيعة، ويعدون المجاهدين بالفوز بالجنة. وتتبع أغلب هذه الفتاوى مساراً عنيفاً يجعل المؤسسة السعودية تسارع إلى رفضها باعتبارها تنتمي إلى العصور الوسطى. لكن الحقيقة هي أن هؤلاء المتعصبين يمثلون ظاهرة معاصرة تمخضت عنها الأنظمة السياسية الفاشلة في العالم الإسلامي، وأصبحت تشكل تذكرة قاسية بثمن أعوام طويلة من القمع.

لم يختف أولئك الذين تعرضوا للقمع، بل إنهم يبرزون الآن من تحت الأرض بأشكال غريبة بشعة ليلاحقوا العالم الذي شهد نشأتهم. ومهما حاول حكام بلادهم أن يتبرءوا منهم فلن يستطيعوا التهرب من ثمرة إبداعهم. لقد منحت العولمة والتكنولوجيا الحديثة هؤلاء الساخطين المتمردين وطناً جديداً يدعون فيه إلى الإسلام كما يفهمونه. وفي عالم الإنترنت هذا، فلن يتسنى لأية سلطة أن تخرسهم أو ترضيهم.