US Federal Reserve Chair Janet Yellen Mark Wilson/Getty Images

في انتظار الشجاعة لتطبيع السياسة النقدية

نيوهافينــ ثلاثة هتافات تشجيعية تستحقها البنوك المركزية! قد يبدو هذا الاستهلال غريبا كونه صادرا عن شخص دأب طويلا على انتقاد السلطات النقدية. لكني أحيي تعهدا تأخر كثيرا من الاحتياطي الفدرالي الأمريكي بتطبيع سياسته فيما يتعلق بسعر الفائدة الرئيسة والميزانية العمومية. كما أوجه إشادة مماثلة لبنك إنجلترا، وكذلك البنك المركزي الأوروبي بعد موافقته على مضض على السير في نفس الاتجاه. إلا أن هذا لا ينفي خطورة واحتمالية أن تكون هذه التحركات أقل مما ينبغي وبعد فوات الأوان.

The Year Ahead 2018

The world’s leading thinkers and policymakers examine what’s come apart in the past year, and anticipate what will define the year ahead.

Order now

وُضعت السياسات النقدية غير التقليدية للبنوك المركزية ــ وأعني تحديدا الفوائد الصفرية وعمليات شراء الأصول على نطاق موسع ــ في غمار الأزمة المالية خلال الفترة 2008-2009. ولم يعدو الأمر كونه عملية طارئة. ومع استنزاف وإنهاك أدوات تلك السياسات تماما، كان على السلطات أن تبحث عن حلول إبداعية استثنائية في مواجهة الانهيار في الأسواق المالية، لا سيما أن هناك انفجارا وشيكا يتهدد الاقتصاد الحقيقي. ويبدو أن البنوك المركزية لم يكن أمامها خيار سوى عمليات ضخ السيولة الواسعة النطاق، وهو ما يعرف "بالتيسير الكمي".

نجحت هذه الاستراتيجية في وقف السقوط الحر للأسواق، وإن كان تأثيرها في تحفيز تعاف اقتصادي فعال ضعيفا، إذ لم يتجاوز نمو اقتصادات مجموعة السبع مجتمعة (وهي الولايات المتحدة، واليابان، وكندا، وألمانيا، وبريطانيا، وفرنسا وإيطاليا) متوسطا سنويا مقداره 1.8% خلال فترة ما بعد الأزمة من عام 2010 حتى عام 2017، وهو ما يقل كثيرا عن متوسط الارتداد البالغ 3.2%، الذي سُجل على مدار مدة مماثلة امتدت ثماني سنوات خلال التعافي في ثمانينات القرن الماضي، ثم مثلها في التسعينيات.

للأسف لم يحسن القائمون على البنوك المركزية قراءة مدى فعالية إجراءات السياسات التي اتخذوها بعد عام 2008، وتصرفوا وكأن الاستراتيجية التي ساعدتهم في إنهاء الأزمة قادرة على تحقيق نفس الدَّفعة في تعزيز حدوث ارتداد دوريّ في الاقتصاد الحقيقي. بل إنهم في الحقيقة تمادوا في الاعتماد على مزيج أسعار الفائدة الصفرية والتوسع في الميزانيات العمومية.

ويا له من رهان. وفقا لبيانات بنك التسويات الدولية، توسعت أرصدة الأصول المجمعة للبنوك المركزية في الاقتصادات الكبرى المتقدمة (الولايات المتحدة، ومنطقة اليورو، واليابان) بمقدار 8.3 تريليون دولار خلال السنوات التسع الماضية، ارتفاعا من 4.6 تريليون دولار في 2008 إلى 12.9 تريليون دولار في أوائل عام 2017.

لكن هذا التوسع الهائل في الميزانيات العمومية لم يكن له مردود قوي أو مؤثر. فخلال فترة السنوات التسع ذاتها، لم تتعد زيادة الناتج المحلي الإجمالي الاسمي في هذه الاقتصادات 2.1 تريليون دولار، مما يعني ضخ سيولة فائضة بمبلغ 6.2 تريليون دولار ــ وهو الفرق بين النمو في أصول البنوك المركزية والناتج المحلي الإجمالي الاسمي ــ حيث لم يمتصها الاقتصاد الحقيقي، بل أخذت تتجول في الأسواق المالية العالمية ذهابا وإيابا، حتى شوهت أسعار الأصول عبر طيف المخاطر.

إن التطبيع ليس إلا محاولة متأخرة جدا لعلاج هذه التشوهات. فبعد مرور عشر سنوات كاملة على تفجر الأزمة المالية الكبرى، تبدو مسألة نقل محركات السياسة النقدية من إعدادات وضع الطوارئ أكثر من ملائمة. فالعالم الذي يمر بمرحلة تعافي ــ بغض النظر عن مدى ضعف وهزال هذا التعافي ــ لا يحتاج إلى نهج أشبه بإدارة الأزمات في التعامل مع السياسة النقدية.

وقد تقبلت السلطات النقدية هذه الحقيقة على مضض، إذ يتركز جل اهتمام وحرص جيل اليوم من القائمين على البنوك المركزية على الالتزام باستهداف التضخم ــ حتى مع خلو عالم اليوم من التضخم. ورغم ابتعاد البندول عن قضية التخلص من التضخم الزائد واتجاهه نحو تحاشي الانكماش، لا تزال قضية استقرار الأسعار تمثل الشغل الشاغل لدوائر البنوك المركزية.

ولن يكون من السهل كسر عادة الاهتمام المفرط بالتضخم. ويمكنني أن أشهد على ذلك شخصيا. فلقد عاينت بنفسي، عندما كنت اقتصاديا معينا بالاحتياطي الفدرالي الأميركي خلال السبعينيات، مولد أزمة التضخم الكبير، ودور الممارسات الحمقاء للبنوك المركزية في خلقها. وبعد هذه التجربة، ظللت مقتنعا لسنوات، بل لعقود، أن تجدد التضخم أمر وشيك.

يأبى جيل اليوم من القائمين على البنوك المركزية تغيير أفكاره ويتشبث بالطرف المعاكس من طيف التضخم، إذ يتمسكون برأيهم بأن الانحياز لسياسة متساهلة يكون ملائما عندما لا يصل التضخم للمستويات التي يستهدفونها، نظرا لارتباطهم الوثيق بشكل من أشكال عقلية "منحنى فيليبس" مشروطة بعلاقة تبادلية مفترضة بين الركود الاقتصادي والتضخم.

هذه هي أكبر مخاطرة نواجهها اليوم، إذ لا ينبغي لنا أن ننظر إلى تطبيع السياسات النقدية على أنها عملية معتمدة على التضخم، ولا ينبغي أن يكون قصور التضخم عن الوصول للمستوى المستهدف عذرا لتطبيع طويل وممطوط. ولكي يعاد بناء ترسانة السياسات استعدادا للأزمة أو الركود المقبل حتما، يستحسن إعادة السياسة النقدية بشكل سريع ومنهجي إلى إعدادات ما قبل الأزمة.

كان الإخفاق في تنفيذ هذا الأمر تحديدا المشكلة الرئيسة خلال الفترة التي سبقت الأزمة الأخيرة، وذلك في بداية الألفية الثالثة، عندما ارتكب الاحتياطي الفدرالي أفظع خطأ على الإطلاق. ففي أعقاب انفجار فقاعة الدوت كوم في مطلع الألفية، ومع سيطرة المخاوف الشديدة من تكرار السيناريو الياباني على مناقشة السياسات حينها، تبنى الاحتياطي الفدرالي استراتيجية للتطبيع المتزايد، فرفع سعر الفائدة الرئيسة 17 مرة في قفزات صغيرة متتالية بمقدار 25 نقطة أساس في فترة لم تزد عن 24 شهرا، من منتصف 2004 حتى منتصف 2006. لكن تزايد خلال هذه الفترة تحديدا غرس أسواق المال المليئة بالفقاعات لبذور الكارثة التي كانت على وشك الوقوع.

أما في الفترة الحالية، فقد رسم الاحتياطي الفدرالي الخطوط العريضة لاستراتيجية لا تحقق تطبيع الميزانية العمومية قبل 2022-2023 على أقرب تقدير ــ وهي مدة تعد أطول مرتين ونصف إلى ثلاث مرات من المدة التي وضعتها الحملة سيئة التصميم التي شهدها منتصف العقد الأول من الألفية. وفي أسواق اليوم المليئة بالفقاعات، فإن استراتيجية كهذه ستكون مدعاة للاضطراب. أما لو أردنا خدمة هدف الاستقرار المالي، فهناك نصيحة قوية للإسراع أكثر بعملية التطبيع تتلخص في: ضرورة إكمال المهمة في نصف الوقت الذي يقترحه الاحتياطي الفدرالي حاليا.

إن البنوك المركزية المستقلة ليست مصممة للفوز بسباقات الشعبية. تلك حقيقة أدركها بول فولكر عندما قاد حملة لمواجهة التضخم الجامح في أوائل الثمانينات. لكن النهج الذي تبناه خليفته ألان جرينسبان، ومن بعده بن برنانكي، كان متباينا تماما ــ حيث سمحا للأسواق المالية واقتصاد معتمد على الأصول بشكل متزايد بالسيطرة على الاحتياطي الفدرالي. أما جانيت يلين ــ أو من سيخلفها ــ فستحتاج لشجاعة كي تشق طريقا مختلفا. لكن يستبعد أن نجد مثل هذه الشجاعة قريبا، لا سيما وأن أكثر من ستة تريليونات دولار من السيولة الفائضة لا تزال تطوف أسواق المال العالمية جيئة وذهابا.

ترجمة: أيمن السملاوي          Translated by: Ayman Al-Semellawi

http://prosyn.org/6Yc55IB/ar;

Handpicked to read next

  1. Patrick Kovarik/Getty Images

    The Summit of Climate Hopes

    Presidents, prime ministers, and policymakers gather in Paris today for the One Planet Summit. But with no senior US representative attending, is the 2015 Paris climate agreement still viable?

  2. Trump greets his supporters The Washington Post/Getty Images

    Populist Plutocracy and the Future of America

    • In the first year of his presidency, Donald Trump has consistently sold out the blue-collar, socially conservative whites who brought him to power, while pursuing policies to enrich his fellow plutocrats. 

    • Sooner or later, Trump's core supporters will wake up to this fact, so it is worth asking how far he might go to keep them on his side.
  3. Agents are bidding on at the auction of Leonardo da Vinci's 'Salvator Mundi' Eduardo Munoz Alvarez/Getty Images

    The Man Who Didn’t Save the World

    A Saudi prince has been revealed to be the buyer of Leonardo da Vinci's "Salvator Mundi," for which he spent $450.3 million. Had he given the money to the poor, as the subject of the painting instructed another rich man, he could have restored eyesight to nine million people, or enabled 13 million families to grow 50% more food.

  4.  An inside view of the 'AknRobotics' Anadolu Agency/Getty Images

    Two Myths About Automation

    While many people believe that technological progress and job destruction are accelerating dramatically, there is no evidence of either trend. In reality, total factor productivity, the best summary measure of the pace of technical change, has been stagnating since 2005 in the US and across the advanced-country world.

  5. A student shows a combo pictures of three dictators, Austrian born Hitler, Castro and Stalin with Viktor Orban Attila Kisbenedek/Getty Images

    The Hungarian Government’s Failed Campaign of Lies

    The Hungarian government has released the results of its "national consultation" on what it calls the "Soros Plan" to flood the country with Muslim migrants and refugees. But no such plan exists, only a taxpayer-funded propaganda campaign to help a corrupt administration deflect attention from its failure to fulfill Hungarians’ aspirations.

  6. Project Syndicate

    DEBATE: Should the Eurozone Impose Fiscal Union?

    French President Emmanuel Macron wants European leaders to appoint a eurozone finance minister as a way to ensure the single currency's long-term viability. But would it work, and, more fundamentally, is it necessary?

  7. The Year Ahead 2018

    The world’s leading thinkers and policymakers examine what’s come apart in the past year, and anticipate what will define the year ahead.

    Order now