Facebook logo Sergei Konkov/Getty Images

أربع سمات لعصر التضليل

مينلو بارك، كاليفورنيا ــ يبدو أن التخوفات إزاء انتشار المعلومات والدعاية الخاطئة والمضللة بلغت النقطة التي تحمل العديد من الحكومات على اقتراح تشريعات جديدة. لكن الحلول المعروضة تعكس فهما منقوصا للمشكلة ــ وربما تُفضي إلى عواقب سلبية غير مقصودة.

The Year Ahead 2018

The world’s leading thinkers and policymakers examine what’s come apart in the past year, and anticipate what will define the year ahead.

Order now

في شهر يونيو/حزيران الفائت، اعتمد البرلمان الألماني قانونا يتضمن فقرة تقضي بفرض غرامات ربما تصل إلى 50 مليون يورو (59 مليون دولار أميركي) على المواقع الشعبية مثل فيسبوك ويوتيوب، إذا فشلت في إزالة محتوى "غير قانوني بوضوح"، مثل خطاب الكراهية والتحريض على العنف، في غضون 24 ساعة. كما أعلنت سنغافورة عن خطط لاعتماد تشريعات مماثلة العام المقبل في التعامل مع "الأخبار الزائفة".

وفي شهر يوليو/تموز، وافق الكونجرس الأميركي على فرض عقوبات شاملة ضد روسيا، جزئيا في الرد على رعايتها المزعومة لحملات التضليل بهدف التأثير على الانتخابات الأميركية. كما دارات حوارات مكثفة بين الكونجرس الأميركي وشركات مثل فيسبوك وتويتر وجوجل في الأسابيع القليلة المنصرمة، بعد ظهور أدلة واضحة على عمليات شراء لحملات إعلانية من قِبَل كيانات روسية.

ويمثل هذا التحرك أهمية بالغة إذا كان لنا أن نكسر الحلقة المفرغة من التضليل والاستقطاب السياسي الذي يقوض قدرة الديمقراطيات على أداء وظيفتها. ولكن في حين تستهدف كل هذه التدخلات التشريعية المنصات الرقمية، فإنها تفشل غالبا في التعامل مع ست سمات على الأقل تجعل سبل التضليل والدعاية اليوم تختلف عن الهيئة التي كانت عليه في الأمس.

فأولا، هناك إضفاء الطابع الديمقراطي على عمليات إنشاء المعلومات وتوزيعها. كما لاحظ مؤخرا راند والتزمان، الذي عمل في السابق في هيئة المشاريع البحثية الدفاعية المتقدمة، يستطيع أي فرد أو مجموعة الآن التواصل مع ــ وبالتالي التأثير على ــ أعداد كبيرة من الآخرين على الإنترنت. ولا يخلو هذا من فوائد، ولكنه ينطوي أيضا على مخاطر جسيمة ــ بدءا بضياع معايير التميز الصحافية، كتلك التي تُفرَض عادة داخل المؤسسات الإعلامية الراسخة. ففي غياب حراس بوابات وسائل الإعلام المؤسسية التقليدية، لم يعد الخطاب السياسي قائما على مجموعة مشتركة من الحقائق.

وتتلخص السِمة الثانية لعصر المعلومات الرقمية ــ وهي نتاج مباشر للحكم الديمقراطي ــ في التعميم الاجتماعي للمعلومات. فبدلا من تلقي معلوماتنا بشكل مباشر من حراس البوابات المؤسسية، والذين كانوا ملتزمين جوهريا بتلبية المعايير التحريرية، على الرغم من التنفيذ المعيب في كثير من الأحيان، نحصل على المعلومات اليوم من خلال التبادل بين الأقران.

وربما تعمل شبكات الأقران هذه على رفع مستوى الرضا من خلال النقرات أو التفاعل بين الأصدقاء، وليس دقة المحتوى أو أهميته. وعلاوة على ذلك، من الممكن أن تؤدي المعلومات التي يجري تصفيتها من خلال شبكات الأصدقاء عن ما يشبه غرف الصدى للأخبار والتي تعمل على تعزيز التحيزات الشخصية (على الرغم من وجود قدر كبير من عدم اليقين حول مدى خطورة المشكلة المتمثلة في هذا). وهذا يعني أيضا أن الأشخاص الذين قد يستهلكون الأخبار باعتدال لولا ذلك باتوا غارقين في المناظرات السياسية والمناقشات، بما في ذلك المواقف المتطرفة والزور والبهتان، مما يزيد من خطر تضليل أو استقطاب شرائح واسعة من جماهير الناس.

ويتمثل العنصر الثالث في المشهد المعلوماتي اليوم في التفتت ــ انفصال القصص الإخبارية الفردية عن مصدرها. في السابق، كان بوسع القراء أن يميزوا بسهولة بين المصادر غير الجديرة بالثقة، مثل الصحف الصفراء المثيرة، والمصادر الجديرة بالثقة مثل الصحف المحلية والوطنية الراسخة. والآن، على النقيض من ذلك، قد لا تبدو مقالة شارك بها صديق أو أحد أفراد الأسرة مختلفة كثيرا عن مقالة منشورة في مدونة تروج لنظرية المؤامرة. وكما اكتشفت دراسة حديثة أجراها معهد الصحافة الأميركي، فإن المصدر الأصلي لأي مقالة لا يهم القراء بقدر ما يهمهم من في شبكتهم شارك بها.

أما العنصر الرابع الذي يجب أن يسترشد به في مكافحة التضليل المعلوماتي فهو عدم الكشف عن هوية منشئ المعلومات وموزعها. إذ لا تفتقر الأخبار على الإنترنت غالبا إلى المصدر فحسب، بل وأيضا إلى التاريخ واسم الكاتب. وهذا من شأنه أن يحجب تضارب المصالح المحتمل، ويخلق قدرا كبيرا من الإنكار لدى القوى الحكومية الفاعلة التي تتدخل في سياقات المعلومات الأجنبية، كما يخلق أرضا خصبة تزدهر فيها البرمجيات الروبوتية.

وقد وجدت دراسة أجريت عام 2015 أن البرمجيات الروبوتية تعمل على توليد نحو 50% من كل حركة المرور على شبكة الإنترنت، حيث يُظهِر 50 مليون مستخدم لتويتر ونحو 137 مليون مستخدم لموقع فيسبوك سلوكيات غير بشرية. بطبيعة الحال، هناك برمجيات روبوتية "جيدة" والتي تقدم خدمات العملاء أو تحديثات الوقت لحظة بلحظة. ولكن هناك أيضا وفرة من القوى الشريرة التي "تتلاعب" بأنظمة المعلومات على الإنترنت للترويج لآراء متطرفة ومعلومات غير دقيقة، مما يُضفي عليها مظهر شعبية التيار الرئيس ويمنحها القبول.

خامسا، تتسم بيئة المعلومات اليوم بالطابع الشخصي. فخلافا لنظرائهم في الصحافة المطبوعة، أو الإذاعة، أو حتى التلفزيون، يستطيع منشئو المحتوى على الإنترنت اختبار البدائل وتكييف رسائل لحظية موجهة بشكل دقيق.

وفقا لكشف أخير، تستطيع مجموعات مثل كمبريدج أناليتيكا أن تخلق دعاية ذات طابع شخصي، وقابلة للتكييف، ومسببة للإدمان في نهاية المطاف، وذلك من خلال "الاستفادة من التلاعب العاطفي جنبا إلى جنب مع العشرات من البرمجيات الروبوتية، والمشاركات المظلمة على فيسبوك، واختبار البدائل، وشبكات الأخبار الزائفة". كانت حملة دونالد ترمب الانتخابية تقيس الاستجابات لنحو 40 ألف إلى 50 ألف تنويعة من الإعلانات يوميا، ثم تقوم بتفصيلها وتوجيه رسائلها وفقا لذلك.

العنصر الأخير الذي يفصل النظام الإيكولوجي للمعلومات اليوم عن نظيره في الماضي، كما لاحظ أستاذ القانون نيت بيرسلي من جامعة ستانفورد، هو السيادة. فعلى عكس التلفزيون، والصحافة المطبوعة، والإذاعة، تتولى منصات التواصل الاجتماعي مثل فيسبوك أو تويتر تنظيم نفسها بنفسها ــ وهي ليست بارعة في هذا. فعلى الرغم من الجدال الدائر حول إعلانات الحملة الانتخابية الأميركية في الأسابيع القليلة المنصرمة، لم تُقدِم أي من المنصتين بعد على استشارة خبراء بارزين، بل تسعى كل منهما بدلا من ذلك إلى حل المشاكل داخليا. ولم توافق فيسبوك حتى على الكشف عن معلومات حول إعلانات الحملة الانتخابية إلا في منتصف سبتمبر/أيلول؛ وهي لا تزال ترفض تقديم بيانات حول أشكال أخرى من التضليل المعلوماتي.

ويعمل هذا الافتقار إلى البيانات على تقويض الاستجابات لانتشار التضليل المعلوماتي والدعاية الكاذبة، ناهيك عن الاستقطاب السياسي والقَبَلية التي تتغذى عليها. وموقع فيسبوك هو الجاني الرئيسي هنا: ففي ظل 1.32 مليار مستخدم نشط يوميا في المتوسط، يُصبِح تأثيره هائلا، ومع ذلك ترفض الشركة منح الباحثين من خارجها الفرصة للوصول إلى المعلومات اللازمة لفهم الأسئلة الأكثر جوهرية عند تقاطع الإنترنت مع السياسة. (تتقاسم شركة تويتر البيانات مع الباحثين، ولكنها تظل مجرد استثناء).

نحن نعيش في عالَم جديد شديد البأس من التضليل. وما دام رعاته فقط هم من يملكون البيانات التي نحتاج إليها لفهمه، فسوف تظل أي استجابة ننظمها غير كافية. وبقدر رداءة تحديد هذه الاستجابات لأهدافها، فإنها ربما تنتهي حتى إلى إحداث أضرار أعظم من أي نفع قد يتحقق من خلالها.

ترجمة: إبراهيم محمد علي          Translated by: Ibrahim M. Ali

http://prosyn.org/d0CS6hp/ar;

Handpicked to read next

  1. Chris J Ratcliffe/Getty Images

    The Brexit Surrender

    European Union leaders meeting in Brussels have given the go-ahead to talks with Britain on post-Brexit trade relations. But, as European Council President Donald Tusk has said, the most difficult challenge – forging a workable deal that secures broad political support on both sides – still lies ahead.

  2. The Great US Tax Debate

    ROBERT J. BARRO vs. JASON FURMAN & LAWRENCE H. SUMMERS on the impact of the GOP tax  overhaul.


    • Congressional Republicans are finalizing a tax-reform package that will reshape the business environment by lowering the corporate-tax rate and overhauling deductions. 

    • But will the plan's far-reaching changes provide the boost to investment and growth that its backers promise?


    ROBERT J. BARRO | How US Corporate Tax Reform Will Boost Growth

    JASON FURMAN & LAWRENCE H. SUMMERS | Robert Barro's Tax Reform Advocacy: A Response

  3. Murdoch's Last Stand?

    Rupert Murdoch’s sale of 21st Century Fox’s entertainment assets to Disney for $66 billion may mark the end of the media mogul’s career, which will long be remembered for its corrosive effect on democratic discourse on both sides of the Atlantic. 

    From enabling the rise of Donald Trump to hacking the telephone of a murdered British schoolgirl, Murdoch’s media empire has staked its success on stoking populist rage.

  4. Bank of England Leon Neal/Getty Images

    The Dangerous Delusion of Price Stability

    Since the hyperinflation of the 1970s, which central banks were right to combat by whatever means necessary, maintaining positive but low inflation has become a monetary-policy obsession. But, because the world economy has changed dramatically since then, central bankers have started to miss the monetary-policy forest for the trees.

  5. Harvard’s Jeffrey Frankel Measures the GOP’s Tax Plan

    Jeffrey Frankel, a professor at Harvard University’s Kennedy School of Government and a former member of President Bill Clinton’s Council of Economic Advisers, outlines the five criteria he uses to judge the efficacy of tax reform efforts. And in his view, the US Republicans’ most recent offering fails miserably.

  6. A box containing viles of human embryonic Stem Cell cultures Sandy Huffaker/Getty Images

    The Holy Grail of Genetic Engineering

    CRISPR-Cas – a gene-editing technique that is far more precise and efficient than any that has come before it – is poised to change the world. But ensuring that those changes are positive – helping to fight tumors and mosquito-borne illnesses, for example – will require scientists to apply the utmost caution.

  7. The Year Ahead 2018

    The world’s leading thinkers and policymakers examine what’s come apart in the past year, and anticipate what will define the year ahead.

    Order now