3

الحل على طريقة تشان-زوكربيرج

بيركلي ــ عندما أعلن مؤسس فيسبوك مارك زوكربيرج وزوجته بريسيلا تشان مؤخراً عن خططهما لتخصيص نحو 45 مليار دولار أميركي من أسهم شركة فيسبوك لجعل العالم مكاناً أفضل، اعتبر بعض المنتقدين هذه الخطوة حيلة من حيل العلاقات العامة. وأشار المنتقدون إلى أن تشان وزوكربيرج لم يضعا أسهمها في مؤسسة خيرية، وإنما في شركة استثمارية يمكنها تخصيص الأموال كما تشاء ــ وأنها قادرة على اختيار الاستثمارات الجالبة للربح.

كما أشار المتشككون إلى أن الزوجين، بدلاً من الالتزام قانوناً على نحو لا رجعة فيه، تعهدا فقط بالتبرع "بأغلب ثروتهما" للصندوق. ووفقاً لأحد المنتقدين من أولئك الذين يتسمون بضيق الأفق، فإن زوكربيرج في واقع الأمر "ينقل أمواله من جيب إلى آخر، وبعوائد على الاستثمار تفوق كثيراً قيمة أسهمه في فيسبوك، في هيئة علاقات عامة".

Erdogan

Whither Turkey?

Sinan Ülgen engages the views of Carl Bildt, Dani Rodrik, Marietje Schaake, and others on the future of one of the world’s most strategically important countries in the aftermath of July’s failed coup.

بيد أن الحقيقة مختلفة تمام الاختلاف. ذلك أن الاستراتيجية التي يتبناها زوكربيرج وتشان، وهي تركيبة تتألف من العمل الخيري التقليدي وتأثير الاستثمار، تتوافق تماماً مع الاتجاهات الأكثر تبشيراً في عالم الإيثار الحديث.

تتمثل القوة المحددة للعمل الخيري التقليدي في قدرته على خوض المجازفات. فالمؤسسات الخيرية غير مطالبة بتبرير تصرفاتها أمام موظفين عموميين أو توليد العوائد لصالح مساهمين في القطاع الخاص. وهذا من شأنه أن يسمح لها بتمويل أفكار جريئة ومبدعة. وعلى النقيض من القطاع العام والقطاع الساعي إلى تحقيق الربح، تستطيع المؤسسات الخيرية أن تتبنى أفقاً طويل الأمد في التعامل مع مشاكل ربما يستغرق حلها عقوداً من الزمن.

الواقع أن المؤسسات الخيرية التقليدية تعمل في نواح كثيرة على نحو أشبه بأصحاب رؤوس الأموال الاستثمارية. وربما تعلم أن الكثير من مشاريعها لن تحقق عوائد، ولكنها تراهن برغم ذلك على أن قِلة من هذه المشاريع ربما تحقق اختراقات رائدة، وأن نجاحها سوف يشعل شرارة تغيرات في السياسات أو يجتذب تدفقات أكبر من الأموال العامة والخاصة الساعية لتحقيق الربح.

ولكن العمل الخيري لا يشكل سوى طريقة واحدة للتعامل مع التحديات الاجتماعية والبيئية. ويمثل "استثمار التأثير" ــ وهو المصطلح الذي صيغ عام 2007 في مؤتمر تولت رعايته مؤسسة روكفلر، وهي واحدة من أقدم المؤسسات الخيرية التقليدية ــ طريقة أخرى. وخلافاً للمانحين الخيريين، يسعى المستثمر��ن المؤثرون إلى تحقيق عوائد اجتماعية ومالية من استثماراتهم. ولا يكتفي استثمار التأثير بتوسيع مجمع الثروة المتاحة؛ بل إنه يعمل أيضاً على تعزيز المشاريع القادرة على إنتاج عوائد كافية لتعزيزها ذاتيا.

وفي السنوات الأخيرة، شهدت الأموال المتدفقة على استثمار التأثير توسعاً سريعا، كما سجل نطاق الأصول المتاحة للمستثمرين المؤثرين نمواً بنفس القدر. وكانت شركات رأس المال الاستثماري الاجتماعي، التي تسعى إلى تحقيق غايتين (عائدات مالية مقبولة، فضلاً عن فوائد اجتماعية أو بيئية أوسع نطاقا) بين الشرائح الأسرع نمواً في صناعة رأس المال الاستثماري.

ففي شمال ولاية كاليفورنيا، على سبيل المثال، استثمر صندوق أسهم "منطقة الخليج" نحو 100 مليون دولار منذ عام 2004 في شركات مثل "أغذية ثورية"، وبانادورا، وسولار سيتي، وتيسلا. وفي عموم الأمر، تشير تقديرات الصندوق إلى أن هذه الاستثمارات خلقت نحو 15 ألف فرصة عمل وولدت معدل عائد داخلي يصل إلى 24,4%.

ومن ناحية أخرى، يتحول لاعبون مؤسسيون كبار إلى مستثمرين مؤثرين على قدر كبير من الأهمية من خلال صب الأموال في الصناديق البيئية والاجتماعية وصناديق الحوكمة المشتركة. ويشير أحد التقديرات إلى أن الاستثمار في هذه الصناديق توسع بدرجة مذهلة، من 202 مليار دولار في عام 2007 إلى 4,3 تريليون دولار في عام 2014. وأصبح عدد متزايد من هذه الصناديق متاح بشكل مباشر الآن للمستثمرين الأفراد.

وحتى صناديق التقاعد العملاقة أصبحت حريصة على دخول الساحة، ومؤخراً عملت وزارة العمل في الولايات المتحدة على تيسير دخولها. ففي أكتوبر/تشرين الأول، قرر وزير العمل توم بيريز على تنقيح القواعد القائمة للسماح لمديري صناديق التقاعد بالنظر في الآثار الاجتماعية المترتبة على الاستثمارات ما دام القيام بهذا لا يضر بالتزامات المديرين الائتمانية. وقد ساعد قرار مماثل في عام 1978 بالسماح لصناديق التقاعد بتخصيص بعد استثماراتها لأصول غير تقليدية في تغذية نمو صناعة رأس المال الاستثماري.

وتواجه المؤسسات الخيرية البحتة معوقات كبرى. فهي من الناحية النظرية مسموح لها القيام بدور المستثمرين المؤثرين لإنشاء "استثمارات مرتبطة بالبرنامج" في المشاريع التي تتفق مع مهامها المعلنة؛ غير أنها في الممارسة العملية تواجه قواعد ائتمانية صارمة تجعلها غير راغبة في القيام بذلك. والواقع أن عدداً متنامياً من المؤسسات ــ مثل مؤسسة بِل وميليندا جيتس، ومؤسسة روكفلر، ومؤسسة كريسج ــ تعمل على زيادة استثماراتها في الأنشطة التي تدعم أهدافها الخيرية. ولكن من المؤسف أن الاستثمارات المرتبطة بالبرنامج لا تزال تمثل 1% فقط من رأس المال الذي تخصصه المؤسسات، مع توجيه 0,05% فقط من ذلك القدر إلى الاستثمار في الأسهم.

وتُعَد مبادرة تشان-زوكربيرج مثالاً رفيع المستوى للنمو السريع لتمويل الأثر الاجتماعي والذي يكمل ويدعم العمل الخيري التقليدي. ولن يحصل زوكربيرج وتشان على أي فائدة ضريبية من نقل ثروتهما إلى شركة ذات مسؤولية محدودة. ولكن عندما يتبرعا بأسهم فيسبوك لمنظمة خيرية، فلن يضطر المتلقي إلى سداد ضريبة الأرباح الرأسمالية عندما يسيل الأسهم ويوظف المال في أعماله الخيرية. وسوف يحصل زوكربيرج وتشان على خصم خيري لقيمة الأسهم في وقت التبرع بها.

وفي الوقت نفسه سوف يحظى الزوجان بحرية استخدام جزء من ثروتهما في العمل الاستثماري المؤثر في مشاريع اجتماعية تحقق الربح وتَعِد بعوائد مالية واجتماعية (وسوف يكون لزاماً عليهما أن يسددا الضرائب على الأرباح التي يجنيانها). وبوسعهما أيضاً أن يختارا الاستثمار في أنشطة دعوية أو حتى سياسية لتشجيع التغيير. وهذا هو على وجه التحديد النهج الذي يتبناه العديد من كبار أهل الخير من هذا الجيل الذين يعتمدون على التكنولوجيا، من بيير أوميديار إلى لورين باول جوبس.

لا يعني أي من هذا أن الحكومة لابد أن تتخلى عن دورها في مواجهة التحديات العامة الكبرى. فبرغم كل أموالهم، لا يستطيع حتى أهل الخير من أصحاب المليارات مثل زوكربيرج وجيتس تنفيذ الحلول على نطاق إقليمي أو وطني أو عالمي. ولكن بوسعهم أن يتحملوا المخاطر الأولية التي ينطوي عليها تطوير واختبار أساليب جديدة في التعامل مع المشاكل الاجتماعية والبيئية الطويلة الأمد. ثم يمكنهم أن يتصدوا للدفاع عن التغييرات اللازمة في السياسات والتمويل العام لتوسيع نطاق الأساليب الناجحة.

Support Project Syndicate’s mission

Project Syndicate needs your help to provide readers everywhere equal access to the ideas and debates shaping their lives.

Learn more

باختصار، لا شيء يعيب رأس المال المبدع الذي يحركه الحماس للعمل العام. بل إن شعبيته التي ارتفعت إلى عنان السماء تشير على النقيض من ذلك إلى أنه سوف يشكل عنصراً بالغ الأهمية في حل مشاكل القرن الحادي والعشرين.

ترجمة: إبراهيم محمد علي          Translated by: Ibrahim M. Ali