0

وجهاً لوجه مع الفيس بوك

نيويورك ـ منذ زمن بعيد، حين كان مارك زوكربيرج مؤسس الفيس بوك تلميذاً في المدرسة الابتدائية، نشرت كتاباً تحت عنوان (الإصدار 2,1: تصميم للحياة في العصر الرقمي)، وفي ذلك الكتاب أشدت بما كان يطلق عليه آنذاك "برنامج أفضليات الخصوصية". وكنت على يقين من أن الناس سوف يبدءون باستخدام برنامج أفضليات الخصوصية أو ما يشبهه من أجل التحكم في الوصول إلى البيانات الخاصة بهم. وبالطبع كنت مخطئة... لما يقرب من عشرة أعوام.

ولكن الآن بدأت توقعاتي تتحقق أخيراً ـ وإن لم يكن على نفس النحو الذي تصورته، ولا على نفس النحو الذي تصوره زوكربيرج...

Chicago Pollution

Climate Change in the Trumpocene Age

Bo Lidegaard argues that the US president-elect’s ability to derail global progress toward a green economy is more limited than many believe.

ففي حين يبدي العديد من الناس الغضب الشديد إزاء تغيير الفيس بوك لسياسات الخصوصية، يعمل الملايين غيرهم في هدوء على تشكيل سمعتهم على شبكة الإنترنت، باستخدام الأدوات التي يقدمها موقع الفيس بوك وغيره من المواقع الاجتماعية على شبكة الإنترنت. والواقع أن موقع الفيس بوك ساعدهم في تعلم الكيفية التي تمكنهم من القيام بذلك.

وتشير الإحصائيات التي نشرت مؤخراً بواسطة مشروع الإنترنت والحياة الأميركية التابع لمركز أبحاث مؤسسة بيو (http://pewinternet.org/Reports/2010/Reputation-Management.aspx) إلى أن الشباب يتعاملون مع سمعتهم على شبكة الإنترنت على نحو أشد حرصاً وعناية ممن هم أكبر منهم سنا. ولا أعتقد أن هذا يعني أن الشباب يبدون اهتماماً أكبر بالخصوصية؛ بل أظن أن زوكربيرج كان محقاً حين قال: "إن الناس يشعرون بالارتياح حقاً، ليس فقط حين يتبادلون المزيد من المعلومات وبأشكال مختلفة، بل وأيضاً حين يفعلون ذلك بقدر أعظم من الانفتاح ومع المزيد من الناس. ويبدو أن هذه القاعدة الاجتماعية باتت أشبه بغريزة تطورت مع الوقت".

يشعر جيل الشباب بالارتياح إزاء المشاركة والتبادل لأنهم يعلمون كيف يتحكمون في هذه العملية. والواقع أن زوكربيرج كان محقاً أيضاً حين قال عن الشباب إنهم لا يريدون الخصوصية بالضرورة أو لا يريدون ما أطلقت عليه المحللة دانا بويد "العزلة"، ولكنهم يريدون "السيطرة". وهم لن ينساقوا بشكل أعمى وراء المعايير الافتراضية. والشباب عموماً يرفعون كماً أكثر من المعلومات ذات الطبيعة الحساسة حول أنفسهم وعن أصدقائهم مقارنة بما يرفعه البالغون الأكبر سناً من نفس النوع من المعلومات، لذا فإنهم سرعان ما يدركون ضرورة وجود ضوابط محددة.

وعلى النقيض من ذلك، سنجد أن المستخدمين الأكبر سناً أقل ميلاً إلى ارتكاب أخطاء غبية في المقام الأول، وأقل ميلاً إلى ارتكاب مثل هذه الأخطاء أمام عدسات الكاميرات. (لا شك أن الأمر لا يخلو من بعض الاستثناءات). ولكنهم أيضاً لا يرغبون في اتباع المعايير الافتراضية التي تجعلهم مكشوفين. وهم يريدون أن "يتطوروا" من تلقاء أنفسهم، لا أن يدفعهم إلى ذلك (أو يقودهم من غير قصد) موقع الفيس بوك.

أو نستطيع أن نقول باختصار إن هذا السوق يعمل ببطء وإن المستهلكين يعلمون أنفسهم ببطء. ولقد كان الفيس بوك جزءاً من هذا: فهو يزودهم بالأدوات اللازمة ويعمل على تحسين أدائهم على نحو مستمر. ولقد نشر الفيس بوك تلك الأدوات، من غير قصد في كثير من الأحيان، من خلال وضع معايير افتراضية عامة مفرطة.

ولكن يبدو أن الشركة أصابها الجشع في خضم اندفاعها نحو كسب المال ـ وأدارت أذناً صماء في مواجهة الانتقادات. وقد لا يشكل المنتقدون أغلبية المستخدمين، ولكنهم يستحقون استجابة مهذبة ومتروية. وحين ترتكب الشركة عدداً من الأخطاء الفادحة ـ كما فعلت مع "بيكون" ثم مؤخراً حين خططت لتقاسم المعلومات الخاصة بالمستخدمين مع بعض شركات البيع  المحبذة مثل بانادورا ـ فلابد وأن تظهر قدراً أعظم من التواضع والمذلة.

وهذا ليس حكماً أخلاقياً، بل إنه في واقع الأمر حكم يرتبط بإدارة الأعمال. فإذا كانت السوق تعمل في اتجاه عالم حيث يمارس المستخدمون سلطتهم في إدارة سمعتهم وصياغتها، فمن الواجب عليها في نهاية المطاف أن تعاقب الشركات التي تصاب بداء الغطرسة والتكبر.

ولكن هذا ليس أكثر من جزء من مناقشة قضية الخصوصية. والأمر المريح فيما يرتبط بهذا النوع من المعلومات التي تتعامل معها شركة مثل فيس بوك هو أنها معلومات عامة. فإذا كان بوسع أصدقائك وغيرهم من الناس أن يطلعوا عليها، فلابد وأن يكون ذلك بوسعك أنت أيضاً.

أما الأمر المثير للانزعاج فهو يرتبط بالبيانات التي لا تعلم عنها شيئاً ـ ذلك النوع من البيانات عن الأنشطة التي تقوم بها على شبكة الإنترنت والتي تجمعها شبكات الإعلانات وتتقاسمها مع المعلنين وغيرهم من المسوقين، والتي ترتبط في بعض الأحيان ببيانات غير منشورة على شبكة الإنترنت ولكن تم جمعها عن طريق شركات بيع أخرى. ولا يمكنك في عموم الأمر الاطلاع على مثل هذه البيانات ـ المواقع التي ذهبت إليها، وعبارات البحث التي استخدمتها، والصفحات التي انتقلت منها أو إليها ـ ولا يستطيع أصدقاؤك أيضاً الاطلاع على مثل هذه البيانات في أغلب الأحوال. ولكن هذه المعلومات تباع ويتم تداولها بين شركات الإعلانات التي تخضعها لحسابات خوارزمية لتصنيفك وتحديد نوعية الإعلانات التي تطلع عليها، ورسائل البريد الإلكتروني التي تتلقاها، وفي كثير من الأحيان العروض التي تقدم لك. ومن المؤكد أن بعض هذه المعلومات قد تسلك سبلاً منحرفة...

وأنا شخصياً لا أمانع حقاً، ولكن هناك العديد من الناس الذين قد يمانعون، إذا أدركوا طبيعة المسألة. والواقع أنني كنت قد تكهنت بأن هذا الأمر سوف يتحول، سواء في هذا العام أو بعد عشرة أعوام، إلى قضية أكثر تعقيداً من المعلومات التي يتبادلها الناس علناً مع أصدقائهم.

ويكمن التحدي هنا في جعل هذا التبادل المستتر للمعلومات أقل إرباكاً وإثارة للحيرة، وأكثر وضوحاً وشفافية، قبل أن يكتشفه أغلب الناس بأنفسهم على النحو الذي يجعلهم يشعرون بأنهم وقعوا ضحية الخيانة والخديعة. وأنا أحضر بانتظام المناسبات التي تنظمها صناعة الإعلان وأثير هذه القضية، وغالباً ما تأتي الإجابة على تساؤلاتي على النحو التالي: "ما لا يعلم الناس عنه شيئاً فلن يؤذيهم"، أو "إن كل ما نقوم به هو أننا نعطيهم إعلانات أفضل توجيهاً وأكثر توافقاً مع مصالحهم".

ولكن الناس لديهم وسيلة للاعتراض على مثل هذا النوع من الاستغلال. فهم يحبون أن يعاملوا بوصفهم أفراداً، لا أن يوضعوا في دلو واحد. وأنا أحرص في كل مناسبة على إخبار المسوقين بأن هذا الميل لا يشكل تهديداً لهم، بل إنه في واقع الأمر يشكل فرصة سانحة. وكما عمل موقع فيس بوك على تثقيف الناس غير المعتادين على ضوابط الخصوصية، فإن المسوقين لابد وأن يثقفوا الناس، على نحو أكثر أناقة، حول ضوابط التتبع. وإنني لأرجو ألا يستغرق الأمر عشرة أعوام والكثير من الدعاية السيئة للمعلنين قبل أن يدركوا هذه الحقيقة.

Fake news or real views Learn More

ومن وجهة نظري وأنا أتابع السوق الناشئة التي تشتمل على أناس يعملون على توليد واستخدام بيانات خاصة بصحتهم أو سلوكياتهم، فإن مثل هذه الضجة التي أحدثها أنا وأمثالي لابد وأن تكون مفيدة. إن الناس الذين يتبادلون بيانات صحية لابد وأن يكونوا أكثر مهارة في إدارة هذه البيانات مقارنة بالقدر الذي كانوا ليحتاجونه من هذه المهارة قبل بضعة أعوام. ولابد وأن يتسموا أيضاً بقدر من التشكك في الشركات التي يأتمنونها على مثل هذه البيانات.

وكل هذا يصب في النهاية في مصلحة الشفافية والنماذج المدفوعة، حتى لا يتساءل المستهلكون عن الولاءات الأخرى التي قد تحرك الشركات. إن عبارة "أنا أدفع لك لكي تدير بياناتي"، قد تكون مباشرة وصريحة. أما عبارة "أنا أعطيك بياناتي وأنت تعطيني خدمة مجانية"، فإنها تحمل العميل على التساؤل عما قد تفعله الشركة بهذه البيانات غير ما تلعنه.