9

هل نشهد معجزة اقتصادية أوروبية؟

نيويورك ــ قبل بضع سنوات، بدا الأمر وكأن منطقة اليورو ــ التي تمثل نحو سدس الاقتصاد العالمي ــ تواجه مأزقا خطيرا. فبدءا بعام 2010، ساهمت أزمة ديون سيادية غير متوقعة في نشوء نقاط ضعف جسيمة في البنوك الكبرى، وبدورها أدت نقاط الضعف تلك إلى تفاقم الأزمة. وساعد التقشف المالي في اليونان وغيرها من الدول الضعيفة نسبيا في تأجيج دورة انكماش اقتصادي شاملة. وفي غياب الدعم المتبادل السخي، شهدنا تحركا يائسا في آخر لحظة، عندما أعلن البنك المركزي الأوروبي في مارس/آذار 2015 عن برنامج طموح لشراء ديون الحكومات.

وبعد ما يزيد على العامين قليلا، يبدو الموقف أكثر إيجابية إلى حد كبير. فقد أشارت أحدث توقعات صندوق النقد الدولي إلى نمو بنسبة 1.7% في منطقة اليورو ككل في عام 2017، وبنسبة 1.6% في عام 2018 ــ وهو تحسن لافت للنظر مقارنة بالحال قبل بضع سنوات، عندما كانت المنطقة تناضل لكسر حاجز 1%.

وجرى التعامل مع مخاوف أخيرة بشأن قدرة بعض البنوك الأصغر حجما في إيطاليا وأسبانيا على الوفاء بديونها، من دون إحداث أي قدر يُذكَر من الارتباك. وفي مؤتمر البنك المركزي الأوروبي الذي اختتم أعماله للتو والذي حضرته، دارت بعض المناقشات حول متى يستطيع البنك المركزي الأوروبي الحد من تدخلاته وربما رفع أسعار الفائدة. (وكانت كل الجلسات مسجلة ومذاعة على البث المباشر).

وتظل صورة الاقتصاد الكلي المباشرة ضبابية بعض الشيء. ففي صباح يوم السابع والعشرين من يونيو/حزيران، ظنت الأسواق المالية أن رئيس البنك المركزي الأوروبي ماريو دراجي تحدث بشكل أكثر إيجابية حول النمو مقارنة بأحاديثه في الماضي القريب، وأن قيمة اليورو تعززت بشكل ملحوظ. وبحلول الصباح التالي، نُقِل عن مسؤولين كبار في البنك المركزي الأوروبي قولهم إن تصريحات دراجي جرى تفسيرها بشكل مفرط في التفاؤل ــ وهبطت قيمة اليورو.

السؤال الحقيقي الآن هو ماذا قد يأتي بعد ذلك، وكان هذا هو موضوع المؤتمر: ماذا ينبغي لنا أن نتوقع عندما يتعلق الأمر بإمكانات النمو في الأمد المتوسط في أوروبا؟ وعلى وجه الخصوص، ما دامت أسعار الفائدة منخفضة، فإن إدارة مستوى الديون الحكومية الحالي في دول مثل إيطاليا تظل في حكم الممكن. ولكن مع ارتفاع أسعار الفائدة، هل نشهد القدر الكافي من النمو لدعم التوقعات التي تشير إلى أن مستويات الدين العام مستدامة؟

الواقع أن الإنجازات الداعمة للنمو في السنوات القليلة الماضية حقيقية. فقد ساعدت أسعار فائدة البنك المركزي الأوروبي المنخفضة (السلبية في واقع الأمر) في دعم الائتمان في عموم الأمر وضمان استمرار تمويل العجز الحكومي على وجه الخصوص. وقد أدى هذا إلى إزالة الضغوط المفروضة على السياسة المالية ــ وكان التقشف أقل مما بدا مرجحا في السابق. وبدأ وضع البنوك تدريجيا على أساس أقوى، في ظل زيادة رؤوس أموال المس��همين القادرة على استيعاب الخسائر. وهناك أيضا بعض الأدلة التي تشير إلى زيادة المنافسة في أسواق المنتجات، ربما بسبب القواعد التنظيمية الأكثر تساهلا.

ولا يخلو الأمر من أخبار سيئة أيضا، وإن لم تكن كلها خاصة بمنطقة اليورو. فقد عانت أغلب الدول الصناعية من تباطؤ نمو الإنتاجية ــ وبالتالي تباطؤ النمو الاقتصادي في الإجمال ــ والذي يبدو الآن أنه بدأ في عام 2000 تقريبا. والواقع أن التوصل إلى تفسير دقيق يظل أمرا بعيد المنال، ولكن الرأي السائد يتلخص في أنه على الرغم من بعض التأثير الإيجابي الذي خلفه ظهور تكنولوجيا المعلومات الجديدة على الإنتاجية في تسعينيات القرن العشرين حتما، فإن المكاسب لم تكن طويلة الأمد أو واسعة الانتشار بالقدر الكافي.

بالإضافة إلى ذلك، فرض النمط المحدد للتغير التكنولوجي الضغوط على الطبقة المتوسطة في كل مكان ــ من خلال الحد من الطلب على العمال الحاصلين على التعليم الثانوي فقط. ويعني هذا ضمنا ضَعف النمو واتساع فجوة التفاوت، وهي التركيبة التي ربما تزيد من تقويض مستويات التعليم والمهارات.

في الوقت نفسه، تُعَد الاتجاهات الديموغرافية الأوروبية مصدرا للقلق والانزعاج. فالشيخوخة السكانية تعني عددا أكبر من المتقاعدين ــ الذين يتوقعون الحصول على معاشات تقاعد من الأموال العامة ــ نسبة إلى عدد المواطنين النشطين اقتصاديا. وقد شهدت أوروبا تدفقات كبيرة من المهاجرين من دول مثل سوريا وليبيا وأفغانستان؛ ولكن العديد من الوافدين الجدد لم يحظوا سوى بقدر ضئيل من التعليم، وقد تبين لنا مدى صعوبة إيجاد وظائف لهم.

من المؤكد أن المزيد من الإبداع قد يساعد. حتى أن المتشائمين يعترفون بالموجة الوشيكة من التكنولوجيا في علوم الحياة، والذكاء الاصطناعي، والروبوتات في مختلف أنحاء العالَم. ولكن مع استمرار ظهور الصين بوصفها قوة بحثية، تتزايد الضغوط على أوروبا لحملها على مواكبة التقدم.

ومن الخطأ استبعاد أوروبا من المعادلة. ذلك أن رأسمالها البشري سليم معافى، والرعاية الصحية الجيدة متاحة الآن لعدد أكبر من الناس مقارنة بحالها في الولايات المتحدة، فضلا عن نشوء شركات أقوى من خلال عملية دمج الأسواق الوطنية.

وعلاوة على ذلك، كان القرار الذي اتخذته بريطانيا بالانسحاب من الاتحاد الأوروبي سببا في تركيز أذهان القادة القاريين. فلا أحد يريد تكرار الأخطاء السياسة التي ارتُكِبَت في الفترة 2010-2014. ويقترح الرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون إنشاء سلطة مركزية أكثر قوة، بما في ذلك احتمال إنشاء وزارة للمالية. ويظل من غير الواضح على الإطلاق ما إذا كانت ألمانيا قد توافق على ذلك، ولكن يجدر بنا أن نتذكر أن بناء اتحاد مالي في الولايات المتحدة استغرق وقتا طويلا للغاية (وفي بعض الجوانب، ربما يظل مشروعا غير مكتمل).

وقد يتضح أن أعظم أسباب القلق هو اختلالات التوازن داخل منطقة اليورو. فالاقتصاد الألماني قوي: إذ يبلغ النمو هناك نحو 1.5% إلى 1.6%، وتشغيل العمالة في ألمانيا شبه كامل، هذا فضلا عن فائضها الكبير في الحساب الجاري. ويشهد اقتصاد أسبانيا تحسنا كبيرا، حيث يبلغ النمو نحو 2.6%، ولكن البطالة لا تزال مرتفعة بعناد ــ وبشكل مثير للقلق ــ عند مستوى نحو 18%.

وتظل إيطاليا تشكل السؤال الأكبر، مع توقع صندوق النقد الدولي نمو الناتج المحلي الإجمالي هناك بنسبة 0.8% هذا العام والذي يليه. فهل تتمكن الشركات العائلية في شمال إيطاليا من إثبات قدرتها مرة أخرى على تحقيق النمو في أسواق دولية متزايدة الصعوبة؟ وهل تساعد الموجة التالية من التكنولوجيا الجديدة هذه الشركات أو تلحق بها الضرر؟

وتظل التوقعات في فرنسا أيضا غير واضحة. فهل يؤدي التحول المذهل الذي أحدثه ماكرون في السياسة الفرنسية إلى إصلاحات معززة للنمو؟ إذا لم يحدث ذلك، فربما تكون ألمانيا أقل ميلا إلى لقاء ماكرون في منتصف الطريق نحو التكامل في منطقة اليورو.

في المقام الأول من الأهمية، يتعين على منطقة اليورو ــ أو ربما الاتحاد الأوروبي ــ أن تعمل على إيجاد السبل لضمان تحقيق النمو للجميع واستفادتهم من النمو. ولا أحد يستطيع أن يجزم بنجاح هذه الجهود أو فشلها. الأمر المؤكد هو أن المهمة تُصبِح أكثر سهولة في بيئة مثل البيئة الحالية، حيث مر الأسوأ وانقضى.

ترجمة: إبراهيم محمد علي          Translated by: Ibrahim M. Ali