ECB building Hannelore Foerster/Getty Images

معضلة أوروبا الاقتصادية

كمبريدج ــ تواجه أوروبا مشكلة خطيرة. فرغم تزايد النشاط الاقتصادي الذي شهدته منطقة اليورو في الآونة الأخيرة، نجد أنها أضحت عاجزة عن التعامل مع الانتكاسة الاقتصادية التالية حينما تحل، لأنها حتما ستحل.

The Year Ahead 2018

The world’s leading thinkers and policymakers examine what’s come apart in the past year, and anticipate what will define the year ahead.

Order now

لا شك أن البنك المركزي الأوروبي يستحق أن يُنسب إليه الفضل فيما تحقق من طفرات اقتصادية في الأعوام القليلة الماضية. وقد أوضح ماريو دراجي، رئيس البنك المركزي الأوروبي في كلمة له خلال التجمع السنوي لمسؤولي البنوك المركزية في جاكسون هول بولاية وايومينج عام 2014، أن هناك ثلاثة أشياء يمكن أن تسهم في تحسين الأداء الاقتصادي في أوروبا، وهي:

·       التوسع المالي من جانب الدولة التي كانت تتوافر لها القدرة على ذلك (ألمانيا)

·       إجراء إصلاحات هيكلية في إيطاليا وفرنسا

·      إحداث تغيير في السياسة النقدية

لكن دراجي تنبأ بأن ألمانيا لن تختلق عجزا ماليا، وأن إيطاليا وفرنسا لن تقوما بالإصلاحات الهيكلية المطلوبة، وانتهى إلى أن البنك المركزي الأوروبي سيتوجب عليه تحفيز النمو بخفض أسعار الفائدة، مما يسهم في زيادة صافي الصادرات من خلال زيادة تنافسية اليورو.

منذ ذلك الحين، أخذ البنك المركزي الأوروبي سعر الفائدة على الودائع قصيرة الأجل إلى المنطقة السلبية، حيث قام بخفضه من 0.2% في أغسطس/آب عام 2014 إلى 0.3% بالسالب الآن. كما اشترى المركزي الأوروبي سندات طويلة الأجل وأضافها إلى محفظته، ليرفع حجم أرصدته من 2.2 تريليون يورو (2.6 تريليون دولار) في 2014 إلى أكثر من ضعف هذا المبلغ الآن. وكان سعر صرف اليورو مقابل الدولار قد هبط من 1.39 دولار في 2014 إلى مستوى منخفض بلغ 1.04 دولار في 2016، قبل أن ينتعش إلى المستوى الحالي وهو 1.18 دولار. كذلك أسهمت سياسة أسعار الفائدة السلبية التي ينتهجها البنك المركزي الأوروبي في تحفيز الاستثمار في قطاع الأعمال وأوجه الإنفاق الأخرى التي تتأثر بتكاليف الاقتراض.

إلا أن سياسات البنك المركزي الأوروبي تعني أيضا أنه لم تعد لديه ذخيرة لمحاربة الركود التالي، الذي قد ينجم عن انهيار أسعار الأصول، بداية من سعر السندات طويلة الأجل. وتعد أسعار سندات العشر سنوات الألمانية مرتفعة للغاية، الأمر الذي ينعكس في عائد حالي أقل من 0.5%. ويمكن أن يتسبب أي هبوط في أسعار الأسهم والسندات الأمريكية، التي تعد هي الأخرى غير متوافقة مع تجارب الماضي، في هبوط أسعار الأصول الأوروبية تأثرا بها.

هناك سيناريو مغاير يتمثل في احتمالية انخفاض الصادرات الأوروبية نتيجة لأحداث جيوسياسية في آسيا أو الشرق الأوسط، فيتمكن الكساد من النشاط الاقتصادي الإجمالي في أوروبا. كما أن انتهاء التوسع الأمريكي، الذي يستمر للعام التاسع حاليا، قد يؤدي إلى خفض أو انهيار الطلب في أوروبا. ورغم الأداء الجيد للغاية الذي يتسم به الاقتصاد الأمريكي الآن، فإن مستوى أسعار الأصول المبالغ فيه ــ والذي جاء نتيجة لعقد كامل من أسعار الفائدة شبه الصفرية ــ يمثل تهديدا للاستقرار.

لكن بغض النظر عن سبب الانتكاسة التالية، ربما لم يعد هناك مجال لسياسات المركزي الأوروبي التي ساعدت في الماضي على الخروج من الأزمات. فقد أصبحت المعالجة التقليدية ــ المتمثلة في خفض أسعار الفائدة ــ مستحيلة وغير مجدية، لأن أسعار الفائدة قصيرة الأجل في دول منطقة اليورو حاليا قريبة من الصفر أو سلبية بالفعل.

ولا شك أن بوسع المركزي الأوروبي توسيع مشترياته من السندات طويلة الأجل، لكن هذا لن يُحدث نفس التأثير الذي أحدثه في الماضي. فقد كان من بين أهداف عمليات شراء السندات واسعة النطاق ــ ما يسمى بالتيسير الكمي ــ دفع أسعار الفائدة طويلة الأجل إلى الانخفاض بهدف تحفيز استثمارات الأعمال وتشييد المساكن. لكن مع اقتراب أسعار الفائدة طويلة الأجل الآن من الصفر، لن تفلح عمليات شراء السندات في خفضها أكثر من ذلك.

كان من بين الأهداف الأخرى لخفض العائد على السندات طويلة الأجل تحفيز الطلب على الأسهم، إذ أن ارتفاع أسعار الأسهم من شأنه أن يؤدي إلى خفض تكلفة استثمارات الأعمال الممولة بالأسهم وزيادة ثروات الأسر، وبالتالي تحفيز الاستهلاك. لكن مثل هذا الاتجاه لم يكن ناجحا في أوروبا في أي وقت كنجاحه في الولايات المتحدة التي تنتشر فيها ملكية الأسهم على نطاق أكبر وأوسع. أما الآن ومع اقتراب عوائد السندات طويلة الأجل من الصفر بالفعل، فليس هناك مجال لمحاولة تحقيق هذا الهدف من الأساس.

باختصار، لن يستطيع البنك المركزي الأوروبي خفض أسعار الفائدة أو شراء سندات طويلة الأجل للتعامل مع أي انتكاسة اقتصادية. وبدون القدرة على خفض أسعار الفائدة، لن يكون المركزي الأوروبي قادرا أيضا على تحفيز صافي الصادرات بخفض قيمة اليورو.

وإذا كان بوسع الولايات المتحدة التعامل مع أي انتكاسة اقتصادية جديدة باتباع سياسات التحفيز المالي، فمن الصعب تصور كيفية وإمكانية تنفيذ مثل هذه السياسات في أوروبا، إذ لا توجد سلطة مالية موحدة في منطقة اليورو. ورغم قدرة كل دولة عضو على تخفيض الضرائب وزيادة الإنفاق، فإن قدرا كبيرا من التأثيرات المترتبة على سياسات التحفيز سيعود على الشركاء التجاريين للدولة من خلال الواردات الزائدة. وقد تكون النتيجة زيادة في الدين الوطني للدولة مع ارتفاع ضئيل نسبيا في الطلب المحلي.

ربما تمثل سياسية التوسع المالي المنسق طريقة ملائمة للتعامل مع هذه المعضلة. وقد يتوجب على كل دولة الاتفاق على مزيج يتألف من خفض الضرائب وزيادة الإنفاق الحكومي بشكل يتوافق مع حجم الانتكاسة الاقتصادية. ومن الخطأ تأجيل التخطيط لمثل هذه المعالجة المنسقة حتى حدوث الانتكاسة، إذ ينبغي لحكومات منطقة اليورو وضع التنسيق المالي مع شركائهم الأوروبيين على رأس جدول أعمالهم قبل أن يفوت الأوان.

ترجمة: أيمن السملاوي          Translated by: Ayman Al-Semellawi

http://prosyn.org/8V4kiMS/ar;

Handpicked to read next

  1. Patrick Kovarik/Getty Images

    The Summit of Climate Hopes

    Presidents, prime ministers, and policymakers gather in Paris today for the One Planet Summit. But with no senior US representative attending, is the 2015 Paris climate agreement still viable?

  2. Trump greets his supporters The Washington Post/Getty Images

    Populist Plutocracy and the Future of America

    • In the first year of his presidency, Donald Trump has consistently sold out the blue-collar, socially conservative whites who brought him to power, while pursuing policies to enrich his fellow plutocrats. 

    • Sooner or later, Trump's core supporters will wake up to this fact, so it is worth asking how far he might go to keep them on his side.
  3. Agents are bidding on at the auction of Leonardo da Vinci's 'Salvator Mundi' Eduardo Munoz Alvarez/Getty Images

    The Man Who Didn’t Save the World

    A Saudi prince has been revealed to be the buyer of Leonardo da Vinci's "Salvator Mundi," for which he spent $450.3 million. Had he given the money to the poor, as the subject of the painting instructed another rich man, he could have restored eyesight to nine million people, or enabled 13 million families to grow 50% more food.

  4.  An inside view of the 'AknRobotics' Anadolu Agency/Getty Images

    Two Myths About Automation

    While many people believe that technological progress and job destruction are accelerating dramatically, there is no evidence of either trend. In reality, total factor productivity, the best summary measure of the pace of technical change, has been stagnating since 2005 in the US and across the advanced-country world.

  5. A student shows a combo pictures of three dictators, Austrian born Hitler, Castro and Stalin with Viktor Orban Attila Kisbenedek/Getty Images

    The Hungarian Government’s Failed Campaign of Lies

    The Hungarian government has released the results of its "national consultation" on what it calls the "Soros Plan" to flood the country with Muslim migrants and refugees. But no such plan exists, only a taxpayer-funded propaganda campaign to help a corrupt administration deflect attention from its failure to fulfill Hungarians’ aspirations.

  6. Project Syndicate

    DEBATE: Should the Eurozone Impose Fiscal Union?

    French President Emmanuel Macron wants European leaders to appoint a eurozone finance minister as a way to ensure the single currency's long-term viability. But would it work, and, more fundamentally, is it necessary?

  7. The Year Ahead 2018

    The world’s leading thinkers and policymakers examine what’s come apart in the past year, and anticipate what will define the year ahead.

    Order now