17

تجاوز اليورو

سان بيير ديه انترمون، فرنسا ــ لم يكن الاتحاد النقدي الأوروبي فكرة جيدة قَط. وما زلت أتذكر الدهشة التي اعترتني عندما أدركت، وكنت آنذاك أستاذاً مساعداً شابا، أنني أعارض معاهدة ماستريخت. وكنت آنذاك ــ ولا زلت ــ أعتقد أن التكامل الأوروبي أمراً جيداً للغاية. ولكن اقتصاد الكتب الأكاديمية الذي كنت أقوم بتدريسه أظهر إلى أي مدى قد يكون الاتحاد النقدي الأوروبي ضاراً في غياب اتحاد مالي وسياسي أوروبي.

ولم يقنعني أي من الأحداث التي وقعت منذ ذلك الحين بأن الكتب الأكاديمية كانت مفرطة في التشاؤم. بل على العكس من ذلك: كانت مفرطة في التفاؤل. الواقع أن دروب الحياة مغطاة بقشور الموز، وعندما تطأ إحداها فينبغي لك أن تكون قادراً على التكيف. ولكن الاتحاد النقدي ذاته تبين أنه كان بمثابة قشرة موز عملاقة، بما في ذلك تدفقات رأس المال التي دفعت التكاليف إلى الارتفاع في مختلف البلدان الواقعة على أطراف أوروبا. ولم يكن التكيف ــ بمعنى خفض قيمة العملة ــ بالخيار الوارد.

وعلاوة على ذلك، تجاهلت أغلب الكتب الأكاديمية في ذلك الوقت القطاع المالي؛ وبالتالي تجاهلت حقيقة مفادها أن تدفقات رأس المال إلى البلدان الطرفية سوف يتم توجيهها عبر البنوك، وأنه عندما يتوقف رأس المال عن التدفق، فإن الأزمات المصرفية من شأنها أن تنهك الموارد المالية العامة للبلدان الأعضاء الطرفية. وهذا بدوره كفيل بأن يؤدي إلى تفاقم تآكل الميزانيات العمومية للبنوك وتقييد عملية خلق الائتمان ــ دورة الديون السيادية-المصرفية المهلكة التي سمعنا عنها كثيراً في السنوات الأخيرة. ولم يتنبأ أي من الكتب الأكاديمية أن التعاون الأوروبي قد يفرض التقشف المعزز للدورة الاقتصادية على البلدان التي ضربتها الأزمة، فيخلق دورات الكساد التي نافست في بعض الحالات مثيلاتها في ثلاثينيات القرن العشرين.

وكان من الواضح لعدة سنوات أن "الاتحاد النقدي القائم فعليا" فشل باهظ التكلفة، على المستويين الاقتصادي والسياسي. وانهارت الثقة في المؤسسات الأوروبي، وأصبحت الأحزاب السياسية المتشككة ليس فقط في اليورو بل وأيضاً المشروع الأوروبي بالكامل، في ارتفاع. ومع هذا فإن أغلب خبراء الاقتصاد، وحتى أولئك الذين لم يظهروا أي بادرة حماس للاتحاد النقدي الأوروبي في المقام الأول، كانوا عازفين عن تقديم الحجة بأن الوقت حان للتخلي عن التجربة الفاشلة.