16

عودة درامية في أوروبا

لندن ــ يشتهر الهولنديون ببناء السدود التي تصد موجات المد والعواصف التي تجتاح المحيط الأطلسي. تُرى هل فعلها الهولنديون مرة أخرى اليوم، بالتصدي لموجة السياسة الشعبوية التي بدت وكأنها تهدد أوروبا بعد الاستفتاء لصالح خروج بريطانيا من الاتحاد الأوروبي وانتصار دونالد ترمب في الولايات المتحدة العام الماضي؟

يبدو أن أداء حزب الحرية بقيادة خيرت فيلدرز في الانتخابات الهولندية في الخامس عشر من مارس/آذار، والذي كان ضعيفا بشكل غير متوقع يشير إلى هذا. فعلى الرغم من ارتفاع التوقعات إلى 25% من الأصوات الشعبية لصالح فيلدرز، حصل حزب الحرية على 13% فقط. وإذا أثبت الناخبون في الانتخابات الرئاسية المقبلة في فرنسا أنهم أقرب إلى الهولنديين وليس الأميركيين أو البريطانيين في استعدادهم لكراهية الأجانب وميلهم إلى فرض تدابير الحماية، فسوف يخلف قرارهم عواقب عالمية على سياسة واقتصاد وإيديولوجية الرأسمالية العالمية.

الواقع أن العودة إلى الوسطية في أوروبا القارية على هذا النحو ربما تشير بقوة إلى أن الانتصارات غير المتوقعة التي أحرزتها الحركات الشعبوية والمناهضة للعولمة في الولايات المتحدة وبريطانيا لم تكن في المقام الأول استجابة للبطالة والأداء الاقتصادي المحبط منذ الأزمة المالية، أو الهجرة الجماعية، أو انتشار تهديد الإرهاب الإسلامي. ويأتي هذا الاستنتاج من حقيقة مفادها أن فرنسا عانت من معدلات بطالة أعلى كثيرا وركود أطول في فترة ما بعد الأزمة مقارنة بالولايات المتحدة وبريطانيا، فضلا عن مواجهة مشاكل أكبر مع الإرهاب والعنف الإسلامي.

وإذا سار الناخبون الألمان في الخريف على خطى الفرنسيين والهولنديين في العودة إلى الوسطية السياسية، فسوف تضعف مصداقية حجة الهجرة أيضا كسبب أساسي للشعبوية. فقد شهدت ألمانيا تدفقات أكبر كثيرا من الأجانب مقارنة ببريطانيا أو الولايات المتحدة. وبدلا من ذلك، سوف تبدو الشعبوية أشبه بظاهرة أنجلوسكسونية لا تحركها الهجرة والسياسات الاقتصادية بقدر ما تدفعها مواقف ثقافية محافِظة بين الناخبين الذين صوتوا لصالح ترمب والخروج البريطاني والتحالفات الديموغرافية غير العادية التي تؤلب كبار السِن على الشباب، وسكان الريف ضد سكان الحضر، وخريجي الجامعة ضد الناخبين الأقل تعليما في الولايات المتحدة وبريطانيا.