60

غياب العقل في أوروبا

نيويورك ــ بعد طول انتظار، بدأت الولايات المتحدة تُظهِر علامات التعافي من الأزمة التي اندلعت مع نهاية إدارة الرئيس جورج دبليو بوش عندما تسبب شبه انهيار نظامها المالي في إرسال موجات صدمة إلى مختلف أنحاء العالم. ولكن هذا التعافي ليس قوياً بالقدر الكافي؛ فعلى أفضل تقدير توقفت الفجوة بين المكان الذي كان ليبلغه الاقتصاد والمكان الذي بلغه اليوم بالفعل عن الاتساع. وإذا كانت الفجوة تتجه نحو الانحسار فإن هذا يحدث ببطء شديد؛ ويبدو أن الضرر الذي أحدثته الأزمة طويل الأمد.

ولكن من ناحية أخرى، قد يكون الأمر أشد سوءا. فعبر المحيط الأطلسي، هناك القليل من العلامات التي قد تشير إلى التعافي كما حدث في أميركا ولو بشكل أكثر تواضعا. فالفجوة بين مكان أوروبا اليوم والمكان الذي كانت لتبلغه لولا الأزمة آخذة في الاتساع. وفي أغلب بلدان الاتحاد الأوروبي، أصبح نصيب الفرد في الناتج المحلي الإجمالي أقل مما كان عليه قبل الأزمة. وبسرعة، يقترب نصف العقد الضائع من التحول إلى عقد كامل ضائع. وخلف الإحصاءات الجامدة، يلحق الدمار بحياة الناس، وتتبدد الأحلام، وتتهاوى الأسر (أو لا تتكون) مع استمرار الركود ــ والكساد في بعض الأماكن ــ عاماً تلو الآخر.

إن الاتحاد الأوروبي موطن لعدد كبير من أصحاب المواهب والتعليم العالي. وتتمتع بلدانه الأعضاء بأطر قانونية قوية ومجتمعات تقوم بوظيفتها بشكل طيب. وقبل اندلاع الأزمة، كانت اقتصادات الاتحاد الأوروبي أيضاً تعمل على خير ما يرام. ففي بعض الأماكن كانت الإنتاجية عن كل ساعة ــ أو معدل النمو ــ من بين أعلى المعدلات في العالم.

ولكن أوروبا ليست ضحية. صحيح أن أميركا أساءت إدارة اقتصادها؛ ولكن الولايات المتحدة لم تتمكن بطريقة ما من فرض وطأة التداعيات العالمية على أوروبا. فالوعكة التي يمر بها الاتحاد الأوروبي كانت نتيجة لممارساته، وهي ترجع في المقام الأول إلى سلسلة غير مسبوقة من القرارات الاقتصادية السيئة، بدءاً بإنشاء عملة اليورو. ورغم أن المقصود من اليورو كان توحيد أوروبا، فإنه في نهاية المطاف كان سبباً في تقسيمها؛ وفي غياب الإرادة السياسية لإنشاء المؤسسات الكفيلة بتمكين العملة الموحدة من العمل بنجاح، فسوف يظل الضرر قائما.