A syrian refugee poses for a selfie photo with Angela Merkel John Macdougall/Getty Images

إعادة تعريف أوروبا والأوروبيين

لايبزيج ــ عندما يسافر المرء عبر ألمانيا خلال فترة التحضير السابقة للانتخابات الفيدرالية في الرابع والعشرين من سبتمبر/أيلول، لا يملك إلا أن ينتبه إلى علامات الصدمة العميقة المتخلفة عن أزمة اللاجئين في عام 2015.

The Year Ahead 2018

The world’s leading thinkers and policymakers examine what’s come apart in the past year, and anticipate what will define the year ahead.

Order now

على نحو مفاجئ ودون سابق إنذار تقريبا، تدفق ما يقرب من مليون شخص يائس ــ أغلبهم من السوريين الفارين من المذبحة في وطنهم ــ إلى ألمانيا. ورغم أن ألمانيا ربما تكون الدولة الأفضل إدارة بيروقراطيا في أوروبا، فإنها لم تسلم من الارتباك.

كانت استجابة المستشارة الألمانية أنجيلا ميركل للأزمة قبل عامين هي التخلص من دليل القواعد وفتح حدود بلادها. وفي مناسبة شهيرة قالت للشعب الألماني: "نستطيع أن نفعل ذلك".

لكن الرأي العام الألماني اليوم يشير إلى أن ألمانيا أصبحت أكثر تحفظا إزاء مثل هذه الإشارات الجريئة. صحيح أن ألمانيا فعلت ذلك، لأنها لم يكن لديها بديل؛ والعديد من الألمان فخورون ببلدهم لارتفاعه إلى مستوى الحدث. ولكن أغلبهم يأملون أن لا تتكرر مثل هذه الأزمة مرة أخرى أبدا.

ورغم أن العديد من الألمان تقبلوا ما حدث قبل عامين، فإن أقلية صغيرة لا تزال تشعر بأنها كانت ضحية خيانة. وقد استجابوا بالغضب والقومية الكارهة للأجانب، وسوف تنعكس هذه المشاعر على تصويتهم بلا أدنى شك.

ولكن ينبغي لنا أن نضع الصدمة التي أحدثتها أزمة اللاجئين في ألمانيا في منظورها الصحيح. كانت أعداد اللاجئين الذين بحثوا عن الحماية ووجدوها في دول مثل لبنان وتركيا أكبر كثيرا من أعدادهم في ألمانيا. وبالحسابات النسبية، لو أرادت ألمانيا مضاهاة لبنان في عام 2015، فإنها كانت لتضطر إلى قبول 20 مليون لاجئ. وفي تركيا، تستضيف إسطنبول وحدها الآن عددا من اللاجئين أكبر من مجموعهم في ألمانيا بالكامل.

بطبيعة الحال، ألمانيا ليست الدولة الأوروبية الوحيدة التي تظل غير مستقرة بفِعل أزمة اللاجئين. ففي بلدي، السويد، من المرجح أن يحقق أي حزب سياسي يريد عزلنا عن بقية العالَم مكاسب قوية في الانتخابات العامة في العام المقبل. وفي العديد من دول أوروبا الوسطى التي استعادت مؤخرا فقط حس السيادة، يُنظَر إلى اللاجئين على نطاق واسع على أنهم يشكلون تهديدا للهوية الوطنية.

سوف تهيمن هذه القضايا على السياسة الأوروبية في السنوات المقبلة على نحو أو آخر. فأوروبا تحاول ببطء بناء القدرة على الصمود في مواجهة مثل هذه الصدمة التي شهدتها في عام 2015. إنها القارة التي صدرت ذات يوم الحرب والاضطرابات، ولكنها الآن راغبة في حماية نفسها من مشاكل جيرانها.

من الدروس المستفادة من عام 2015 أن الاتحاد الأوروبي يحتاج إلى وضع سياسة خارجية وأمنية مشتركة أقوى كثيرا. ويتعين على الاتحاد الأوروبي أن يستعيض عن الخطابة النبيلة بإجراءات ملموسة، في حين يتقبل أيضا مسؤولياته الإقليمية والعالمية. فالأسلاك الشائكة بين المجر وصربيا لن تحمي أوروبا من آثار الحرب في أوكرانيا، أو الانقلابات والإرهاب في الأناضول، أو الدمار العنيف في بلاد الشام وبلاد الرافدين. ولن تساعد أوروبا في إدارة التحول الدراماتيكي الجاري الآن في أفريقيا، التي ستصبح موطنا لنحو 40% من سكان العالَم في سن العمل في غضون بضعة عقود من الزمن.

من دروس عام 2015 أيضا أن الدول الأوروبية لابد أن تتعلم إعادة تعريف هويتها الوطنية. فقد بنيت الولايات المتحدة، وأستراليا، وكندا على الهجرة، وأغلبنا ننحدر من نسل أناس أتوا من أماكن أخرى. في الواقع، لم يتبق الكثير من "الأمم الأولى" في هذه البلدان. والآن بات من الممكن تماما أن يكون عدد السكان من أصل سويدي في شيكاغو أكبر من عددهم في ستوكهولم.

من المؤكد أن أوروبا تختلف عن نظيراتها الغربية. فقد ظلت قبائلها تتقاتل في ما بينها لآلاف السنين. وعلى مدار القرنين المنصرمين، كان الأوروبيون حريصين على بناء الدول القومية والهويات الوطنية المتزايدة القوة على أساس تجارب تاريخية طويلة ومعقدة.

وبطبيعة الحال، بُني الاتحاد الأوروبي ذاته بواسطة دول قومية. ولكن مواطني هذه الدول أرادوا أن يتغلبوا على إرثهم الطويل من القَبَلية والحرب. وإذا حكمنا على الأمر من خلال هذا الهدف، فبوسعنا أن نقول إن نصف القرن الأول من عمر الاتحاد الأوروبي كان نجاحا هائلا. غير أن التوترات بادية للعيان. وسواء كان ذلك مبررا أو لم يكن، فإن الغرائز القِبَلية تعود إلى الظهور عندما يستشعر الناس تهديدا لهويتهم الوطنية. وفي نظر قِلة مرتعبة حقا، أصبحت كل من بروكسل ومكة تمثل تهديدا قاتلا.

إذا كان لأوروبا أن توجد لنفسها مكانا في عالَم سريع التغير، فيتعين على مواطنيها أن يتعلموا كيف يستفيدون من الهويات المتعددة. فبوسع المرء أن يكون سويديا فخورا وأوروبيا فخورا في نفس الوقت؛ وبوسع المرء أن يكون ألمانيا وتركيا في آن، وأن يستمد القوة من هذه الازدواجية. فليس من قبيل الغدر والعقوق أن يرى المرء نفسه مواطنا للعالَم. بل هو على العكس تماما، موقف مشرف.

الحق أن مثل هذا التحول في المواقف من شأنه أن يوفر الأساس لأوروبا مختلفة تماما. فبهذا نتحول بعيدا عن الصراعات والمخاوف القَبَلية القديمة أخيرا، ونعتنق مستقبلا رقميا متشابكا. قالت أنجيلا ميركل، التي من المرجح أن تنتخب لولاية أخرى لأربع سنوات كمستشارة لألمانيا في الرابع والعشرين من سبتمبر/أيلول، للمواطنين الألمان إنهم "يستطيعون أن يفعلوا ذلك". ولكن هل تفعلها ألمانيا وبقية أوروبا؟ ما علينا إلا أن ننتظر ونرى. فالمهمة صعبة.

ترجمة: إبراهيم محمد علي          Translated by: Ibrahim M. Ali

http://prosyn.org/V3L2loq/ar;

Handpicked to read next

  1. Chris J Ratcliffe/Getty Images

    The Brexit Surrender

    European Union leaders meeting in Brussels have given the go-ahead to talks with Britain on post-Brexit trade relations. But, as European Council President Donald Tusk has said, the most difficult challenge – forging a workable deal that secures broad political support on both sides – still lies ahead.

  2. The Great US Tax Debate

    ROBERT J. BARRO vs. JASON FURMAN & LAWRENCE H. SUMMERS on the impact of the GOP tax  overhaul.


    • Congressional Republicans are finalizing a tax-reform package that will reshape the business environment by lowering the corporate-tax rate and overhauling deductions. 

    • But will the plan's far-reaching changes provide the boost to investment and growth that its backers promise?


    ROBERT J. BARRO | How US Corporate Tax Reform Will Boost Growth

    JASON FURMAN & LAWRENCE H. SUMMERS | Robert Barro's Tax Reform Advocacy: A Response

  3. Murdoch's Last Stand?

    Rupert Murdoch’s sale of 21st Century Fox’s entertainment assets to Disney for $66 billion may mark the end of the media mogul’s career, which will long be remembered for its corrosive effect on democratic discourse on both sides of the Atlantic. 

    From enabling the rise of Donald Trump to hacking the telephone of a murdered British schoolgirl, Murdoch’s media empire has staked its success on stoking populist rage.

  4. Bank of England Leon Neal/Getty Images

    The Dangerous Delusion of Price Stability

    Since the hyperinflation of the 1970s, which central banks were right to combat by whatever means necessary, maintaining positive but low inflation has become a monetary-policy obsession. But, because the world economy has changed dramatically since then, central bankers have started to miss the monetary-policy forest for the trees.

  5. Harvard’s Jeffrey Frankel Measures the GOP’s Tax Plan

    Jeffrey Frankel, a professor at Harvard University’s Kennedy School of Government and a former member of President Bill Clinton’s Council of Economic Advisers, outlines the five criteria he uses to judge the efficacy of tax reform efforts. And in his view, the US Republicans’ most recent offering fails miserably.

  6. A box containing viles of human embryonic Stem Cell cultures Sandy Huffaker/Getty Images

    The Holy Grail of Genetic Engineering

    CRISPR-Cas – a gene-editing technique that is far more precise and efficient than any that has come before it – is poised to change the world. But ensuring that those changes are positive – helping to fight tumors and mosquito-borne illnesses, for example – will require scientists to apply the utmost caution.

  7. The Year Ahead 2018

    The world’s leading thinkers and policymakers examine what’s come apart in the past year, and anticipate what will define the year ahead.

    Order now