4

أي إنترنت يناسب أوروبا؟

بروكسل ــ عندما تعلن المفوضية الأوروبية استراتيجيتها الرقمية الجديدة في السادس من مايو/أيار، فسوف تواجه اختياراً حاسماً بين نهجين مختلفين تماماً في التعامل مع الإنترنت. فهل تختار مساراً تقدمياً تقوده السوق؟ أم أنها سوف تختار موقفاً دفاعياً رجعياً يتسم بالتقهقر الانعزالي؟

إليكم الخبر الطيب أولا: تشير التغطية المكثفة للإعلان المخطط المرتقب إلى أن زعماء القارة أدركوا أن شبكة الإنترنت لم يعد من الممكن تحويلها إلى هامش عملية صناعة السياسة الأوروبية. فهي تشكل أهمية مركزية للأداء الاقتصادي وتحديث القاعدة الصناعية في أوروبا.

Chicago Pollution

Climate Change in the Trumpocene Age

Bo Lidegaard argues that the US president-elect’s ability to derail global progress toward a green economy is more limited than many believe.

على مدى السنوات الخمس الماضية، وفي حين كانت أوروبا تصارع مصائب الاقتصاد الكري، كانت كل من الولايات المتحدة وآسيا قد قطعت شوطاً إلى الأمام وبدأت تجني الفوائد الرقمية. فوفقاً لدراسة حديثة أجرتها مؤسسة بلوم للاستشارات، ساهمت تكنولوجيا المعلومات والاتصالات بما يقرب من 1.6% في نمو الإنتاجية السنوي في الولايات المتحدة خلال هذه الفترة ــ ضعف ما أسهمت به في أوروبا. ولا ينبغي لهذا أن يدهشنا، لأن ما يقرب من 5% من الاستثمارات الأميركية تنفق على تكنولوجيا المعلومات والاتصالات، مقارنة بنحو 2% في أوروبا.

يقول بريان وليامسون وسام وود من بلوم للاستشارات: "إن هذا الفارق لا يرجع إلى أن الإنترنت تمثل حصة أكبر من الاقتصاد في الولايات المتحدة، بل لأن الولايات المتحدة كانت أفضل في استخدام الإنترنت في مختلف قطاعات الاقتصاد. فأوروبا تستثمر أكثر من مجموع ما تستثمره الولايات المتحدة كنسبة من الناتج المحلي الإجمالي، ولكن ليس في ما يتعلق بالإنترنت وتكنولوجيا المعلومات والاتصالات".

والسؤال الذي يواجه صانعي السياسة الأوروبية الآن هو كيفية سد هذه الفجوة. إن أفضل طريقة للمضي قدماً تتلخص في احتضان الإنترنت، حتى حيثما كانت معطلة للنظام القائم. وفي الممارسة العملية، يعني هذا اختصار الروتين حتى يتسنى لكل الشركات بيع سلعها وخدماتها عبر سوق مشتركة تتألف من 500 مليون نسمة. فاليوم، تضطر الشركات الأوروبية إلى الإبحار عبر 28 مجموعة من القواعد. وليس من المستغرب أن تكون نسبة المستهلكين الذين يتسوقون على الشبكة عبر الحدود الأوروبية 15% فقط.

ينبغي لأوروبا أن تركز على إزالة الحواجز وتحديث القواعد التنظيمية لتشجيع المزيد من استخدام الإنترنت. وسوف يتطلب هذا التحلي بالشجاعة الكافية لمواجهة أولئك الذين يفضلون التقهقر خلف الحدود الوطنية وحماية النماذج التجارية القائمة. ولتحقيق القدر الكامل من الاستفادة من الإنترنت، فيتعين على الاتحاد الأوروبي أن يتجنب محاباة الشركات المحلية على حساب المنافسين العالميين، ولابد أن تكون كل الاستثمارات موضع ترحيب، سواء كانت قادمة من ستوكهولم، أو سول، أو سان فرانسيسكو. فالجهاز التنظيمي الذي يعطي مزايا غير عادلة للشركات المحلية يلحق الضرر بالمستهلكين، ويعوق الإبداع والابتكار، ويضر القدرة التنافسية.

كما ينبغي لصناع السياسات في أوروبا أن يضمنوا القدرة الشاملة غير التمييزية على الوصول إلى شبكات الاتصالات، وأن يحظى المستهلكون والشركات بنطاق من الاختيارات المختلفة بين خدمات الاتصالات والإنترنت. وعلى نحو مماثل، ينبغي للاتحاد الأوروبي أن يشارك دولياً لضمان بقاء الإنترنت جزءاً أساسياً من نظام التجارة العالمي. على سبيل المثال، ينبغي له أن يستكمل المفاوضات مع الولايات المتحدة بشأن تحسين إطار "الملاذ الآمن" لنقل البيانات، وبالتالي تشجيع الشركات على ضفتي الأطلسي على الاعتماد على عمليات نقل البيانات التجارية.

ولكن من المؤسف أن هناك علامات مشؤومة تشير إلى الاتجاه الخاطئ. فكانت الدولتان الأثقل وزناً في أوروبا، فرنسا وألمانيا، صريحتان في الإعراب عن عزمهما دحر التقدم الرقمي. ومؤخراً أشار المفوض الأوروبي لشؤون الاقتصاد الرقمي وجمعية جونتر أوتنيجر إلى مفهوم الحيادية الصافية ــ حيث يتم التعامل على حد السواء مع كل حركة المرور على الإنترنت، بصرف النظر عن طبيعتها أو منشأها ــ بوصفه "أشبه بطالبان" ودعا إلى فرض ضريبة جديدة على خدمات الإنترنت.

لقد أدت الضغوط الألمانية والفرنسية إلى إطلاق دعوات تطالب القوى التنظيمية المتشددة بكبح جماح المنصات القوية الأميركية عادة، مثل جوجل وفيسبوك. ويبدو أن القارة توشك أيضاً على إفراغ مبدأ "متجر الوقفة الواحدة" المهم من مضمونه، والذي كان ليسمح للشركات بالتعامل مع سلطات حماية البيانات في البلد في الدولة حيث توجد مقارها الأوروبية الرئيسية. ومن ناحية أخرى، دعا المحتجون في مختلف أنحاء أوروبا إلى شن حملة صارمة على خدمة الركوب المشتركة أوبر، وفرض القيود على خدمة تقاسم الشقق اير بي إن بي (Airbnb)، كما يدرس مجلس الشيوخ الفرنسي فرض التزامات "حيادية البحث".

وكل هذه التحركات تتجمع لكي تشكل نهجاً عنيداً متصلباً في التعامل مع الإنترنت. وإذا استمرت أوروبا على هذا المسار، فإنها تخاطر بإهدار إمكانات الاقتصاد على الإنترنت. ذلك أن الشركات الأوروبية الصغيرة، وليس الأميركية فقط، هي التي تستفيد من منصات التجارة الإلكترونية مثل "ئي باي"، و"أمازون" والخدمات الإعلانية على مواقع مثل جوجل وفيسبوك. كما يبني مطورو التطبيقات الأوروبيون أعمالهم على برامج الهاتف المحمول.

Fake news or real views Learn More

إن الإنترنت ليست لعبة يشارك فيها طرف فائز وطرف آخر خاسر؛ فبوسع الجميع أن يفوزوا. وهي لا تضع أوروبا في منافسة ضد مناطق أخرى. فأوروبا لديها عدد قريب من عدد شركات الإنترنت التي تبلغ قيمتها أكثر من مليار يورو في الولايات المتحدة. والاختيار الأكثر حكمة الآن هو أن تحرص أوروبا على ضمان ظهور عدد أكبر كثيراً من شركات الإنترنت الناجحة، من خلال خلق أفضل الظروف الممكنة لتشجيع الإبداع الرقمي.

ترجمة: مايسة كامل          Translated by: Maysa Kamel