Skip to main content

Cookies and Privacy

We use cookies to improve your experience on our website. To find out more, read our updated Cookie policy, Privacy policy and Terms & Conditions

lenoir12_Aurelien MeunierGetty Images_macronfrancearmysoldiers Aurelien Meunier/Getty Images

حان وقت استقلال الدفاع الأوروبي

باريس ــ في مقابلة حديثة مع مجلة الإيكونيميست، قَدَّم الرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون رؤيته الجيوسياسية لمستقبل الاتحاد الأوروبي. في حديثه تطرق إلى "وفاة حلف شمال الأطلسي دماغيا"، وهو ما اعتبره كثيرون صدى لوصف "المندثر" الذي أطلقه الرئيس الأميركي دونالد ترمب على الحلف.

لكن ماكرون لم يكن يردد وصف نظيره الأميركي. ذلك أن مخاوف ماكرون بشأن حالة الحلف تعكس إدراكه لحقائق كئيبة على الأرض. فلأول مرة منذ الحرب العالمية الثانية، تجد أوروبا نفسها دون حليف جدير بالذِكر. وتمثل حروب ترمب التجارية وخيانته للحلفاء، بعيدا عن كونها ضربا من الشذوذ، قاعدة جديدة للنظام العالمي.

فالآن، أصبحت التعددية، وحقوق الإنسان، واحترام القانون الدولي، تحت التهديد في كل مكان، بسبب هجمات زعماء الدهماء على المبادئ الديمقراطية الليبرالية والدعم الصريح الذي يقدمه ترمب للحكام المستبدين. فعلى ضفتي الأطلسي، يستهزئ الساسة الشعبويون على نحو منتظم بفكرة التحالف الذي يقوم على قيم مشتركة، في حين تواصل الصين وروسيا توسيع مجالات نفوذهما دون ضابط أو رابط.

كما أفضى غزو تركيا لشمال سوريا مؤخرا، وخيانة الأكراد الذين قادوا الكفاح ضد تنظيم الدولة الإسلامية (داعش)، إلى تقويض مصالح الاتحاد الأوروبي.

وكما أشار ديفيد ساسولي، رئيس البرلمان الأوروبي الجديد، فإن الغزو التركي يرقى إلى "عمل من أعمال الحرب تقوم به دولة في حلف شمال الأطلسي" ــ والتي تظل مرشحة رسميا للانضمام إلى الاتحاد الأوروبي. على نحو مماثل، حَذَّر ماكرون من أن "الهجوم العسكري التركي الأحادي الجانب يفرض خطرا إنسانيا على الملايين من البشر"، مضيفا أن الحكومة التركية "ستكون مسؤولة أمام المجتمع الدولي عن مساعدة داعش في بناء خلافة". على نحو مماثل، أدان وزير الخارجية الألماني هايكو ماس "الغزو" التركي باعتباره عملا شائنا وغير مشروع يفضي إلى إعادة داعش إلى الحياة فضلا عن إحداث موجة جديدة من اللاجئين.

هذه كلمات قوية، والسؤال هو ما إذا كانت أوروبا قادرة على تأكيدها بعمل ملموس. حتى الآن، فرضت أوروبا حظرا على مبيعات الأسلحة الأوروبية إلى تركيا. لكن القوات المسلحة التركية ــ ثاني أكبر قوة داخل حلف شمال الأطلسي ــ ليست في احتياج عاجل إلى أسلحة الاتحاد الأوروبي. فضلا عن ذلك، يبدو أن الرئيس التركي رجب طيب أردوغان يفضل الآن الأسلحة الروسية، بما في ذلك النظام الدفاعي الصاروخي S-400، الذي اشترته تركيا في تحد لاعتراض حلف شمال الأطلسي. علاوة على ذلك، يظل الاتحاد الأوروبي ذاته معتمدا على تركيا لصد فيضان اللاجئين من سوريا وأماكن أخرى في الشرق الأوسط. وقد ظل أردوغان لفترة طويلة يعتقد أن مجرد لتهديد بفتح الحدود التركية مع الاتحاد الأوروبي كفيل بالإبقاء على قادة أوروبا تحت السيطرة.

Subscribe now
ps subscription image no tote bag no discount

Subscribe now

Subscribe today and get unlimited access to OnPoint, the Big Picture, the PS archive of more than 14,000 commentaries, and our annual magazine, for less than $2 a week.

SUBSCRIBE

أو لنتأمل هنا حالتي أوكرانيا وجورجيا، حيث تواصل روسيا ممارساتها المستهزئة بالاتحاد الأوروبي. ولأن سبب قيام المشروع الأوروبي الأساسي هو إنهاء حروب العدوان والنزعة القومية في أوروبا، فإن عجز الاتحاد الأوروبي عن التأثير على الأحداث سواء في أوكرانيا أو جورجيا شديد الوضوح. ويكشف فشل الاتحاد الأوروبي في حماية أمنه ضد قوة مجاورة معادية عن مدى ضعفه مؤسسيا.

من المؤكد أن الاتحاد الأوروبي نجح في بناء سوق داخلية ضخمة وتمديد أشكال حماية الحقوق المدنية والاقتصادية والاجتماعية إلى دول ومجتمعات كانت ذات يوم تحت نير الحكم السوفييتي الاستبدادي. ولكن على الرغم من أهمية هذه الانتصارات السياسية والاقتصادية، فقد أثبتت كونها غير كافية لضمان صمود أوروبا.

وعلى هذا فقد خلص ماكرون (وآخرون كثيرون) إلى استنتاج مفاده أن أوروبا يتعين عليها أن تواجه مصيرها المتمثل في التحول إلى "قوة ذات سيادة". وهذا يعني في المقام الأول إنشاء جيش أوروبي وتطوير قدرة مستقلة بالكامل للدفاع عن الذات. حتى وقت قريب للغاية، كانت هذه الفكرة من المحرمات، وخاصة في المملكة المتحدة، التي لم تكن ترغب في تعريض "علاقتها الخاصة" مع الولايات المتحدة للخطر. وعلى الرغم من اتفاق رئيس الوزراء البريطاني توني بلير والرئيس الفرنسي جاك شيراك في عام 2003 على تنسيق المشتريات من الأسلحة وتجميع الموارد العسكرية لبناء مجموعة جاهزة للمعركة من حاملات الطائرات، فلم تتخذ أي خطوة متابعة في هذا الصدد، ربما كما يظن بعض المراقبين نتيجة لاعتراضات من جانب الولايات المتحدة.

ولكن الآن، حتى ألمانيا بدأت تدرك الحاجة إلى الاستقلال الدفاعي الأوروبي. في شهر نوفمبر/تشرين الثاني 2018، ألقت المستشارة الألمانية أنجيلا ميركل خطابا أمام البرلمان الأوروبي دعت فيه إلى إنشاء "جيش أوروبي لائق". وفي تصريحات أقل ذيوعا ألقتها في جامعة القوات المسلحة الألمانية في ميونيخ وزيرة الدفاع الألمانية أنجريت كرامب كارينباور، خليفة ميركل المحتملة، دعت إلى زيادة كبيرة في الإنفاق العسكري الألماني، وإنشاء مجلس أمن وطني جديد لقيادة سياسة دفاعية أكثر حزما.

لا تقتصر مثل هذه المشاعر على ألمانيا: فقد وجد استطلاع الآراء الذي تجريه المفوضية الأوروبية، "يوروباروميتر"، أن 75% من الأوروبيين يفضلون سياسة دفاعية وأمنية مشتركة للاتحاد الأوروبي، وأن غالبيتهم يتوقعون إنشاء جيش تابع للاتحاد الأوروبي في المستقبل القريب. علاوة على ذلك، يقدم خروج بريطانيا من الاتحاد الأوروبي فرصة مثالية للاتحاد للتحرك نحو المزيد من المعدات العسكرية والبرامج البحثية المشتركة، والتدريبات المشتركة للقوات، وفي نهاية المطاف استراتيجية دفاعية مشتركة.

لتحقيق هذه الغاية، التزمت فرنسا وألمانيا بتعزيز التعاون الصناعي من خلال مشاريع مثل أنظمة القتال الجوي المستقبلية، ودوريات الطائرات البحرية، والنظام القتالي الأرضي الرئيسي. لكن هذه المشاريع لن تنطلق قبل عام 2035. وإذا كانت أوروبا راغبة في اكتساب وضع القوة العسكرية غير "المتوفية دماغيا"، فيتعين عليها أن تكف عن التردد في مواجهة تهديدات متنامية.

هناك أدلة وفيرة تشير إلى أن الجيش الأوروبي سيكون فعّالا في حماية المصالح الأمنية الأوروبية، حتى في الأمد القريب للغاية. لقد أُجبِر الجهاديين الذين استولوا على شمال مالي في عام 2012 على الخروج بفضل التدخل العسكري بقيادة فرنسا. وكانت هذه المهمة ناجحة حتى الآن. ولكن هل يدوم هذا النجاح في غياب التزام أوروبي أوسع؟

ترجمة: مايسة كامل          Translated by: Maysa Kamel

https://prosyn.org/Dr0hXnUar;