40

التفسخ الأوروبي؟

مدريد ــ بعد سنوات من التشرذم الشديد والتوترات الحادة، ربما يكون الاتحاد الأوروبي على وشك خسارة أثمن أصوله: السلام، والازدهار، وحرية التنقل، فضلا عن قيم مثل التسامح والانفتاح والوحدة. فهل يتوحد الأوروبيون في الوقت المناسب قبل أن يفوت أوان إنقاذهم؟

في يونيو/حزيران الماضي، أصبح الخطر الذي يهدد الاتحاد الأوروبي واضحا بشكل صارخ، عندما صوتت المملكة المتحدة لصالح الخروج من الاتحاد. ثم جاء انتخاب دونالد ترامب رئيسا للولايات المتحدة ليجعل الأمور أشد سوءا. فالآن تسلك الولايات المتحدة، أقرب وأقوى حلفاء أوروبا ــ الشريك الأمني المهم وحامل القيم المشتركة ــ اتجاها مختلفا تمام الاختلاف، وتهدد بترك أوروبا المهتزة المنقسمة وحدها في عالَم قاس حريص على تمزيقها إربا.

ربما يبدو هذا إغراقا في التضخيم والمبالغة. فلا يزال كثيرون في الدوائر السياسية الأميركية مقتنعين ــ على الأقل في العلن ــ بأن السياسة الخارجية الأميركية في عهد ترامب سوف تكون محكومة من قِبَل شخصيات من الوزن الثقيل الأكثر رزانة واعتدالا في حكومته، من أمثال وزير الدفاع جيمس ماتيس ووزير الخارجية ركس تيلرسون. فيقولون لنا: "لا تنزعجوا، فلن يحدث الأسوأ".

ولكن من واقع تجربتي الشخصية، أستطيع أن أجزم بأن الشخص الوحيد المهم حقا هو من يستطيع أن يستولي على أُذُن الرئيس. وحتى الآن، تشير كل الدلائل إلى أن دائرة ترامب الداخلية هي التي تتولى قيادة عملية صُنع السياسات. والواقع أن التصريحات والأوامر التنفيذية التي أصدرها ترامب في الأسابيع الأولى له في منصبه تنقل منظورا إيديولوجيا مفردا ــ الذي تبناه لفترة طويلة ستيف بانون كبير الاستراتيجيين في البيت الأبيض، وهو القومي المتطرف وتلميذ الفيلسوف الفاشي الإيطالي يوليوس إيفولا، والذي عمل لفترة طويلة على تمكين "بديل اليمين" الذي ينادي بتفوق العِرق الأبيض في أميركا.