34

دُعاة الكساد

بيركلي ــ في الأيام الأولى من الأزمة الاقتصادية الراهنة، كنت أتبع في محادثاتي خطاً ينال الاستحسان والتصفيق في بعض الأحيان، ويثير الضحك غالبا، ويعطي الناس دائماً سبباً للتفاؤل. فكنت أقول إن صناع السياسات، في ضوء تجربة أوروبا والولايات المتحدة في ثلاثينيات القرن العشرين، من غير الممكن أن يرتكبوا نفس الأخطاء التي ارتكبها أسلافهم أثناء أزمة الكساد الأعظم، وأننا هذه المرة سوف نرتكب أخطاءً جديدة وأقل خطورة كما نأمل.

ولكن للأسف، تبين أن هذا التكهن كان بعيداً عن الصواب. فلم يصر صناع السياسات في منطقة اليورو على تكرار نفس أخطاء الثلاثينيات الفادحة فحسب؛ بل إنهم يستعدون الآن لتكرارها بطريقة أكثر وحشية، وأشد مبالغة وتوسعا. والحق أنني لم أتوقع ذلك قط.

عندما اندلعت الأزمة اليونانية عام 2010، تصورت أن دروس التاريخ كانت واضحة إلى الحد الذي يجعل الطريق إلى الحل واضحاً ومباشرا. وكان المنطق بسيطاً وواضحا. فلو لم تكن اليونان عضواً في منطقة اليورو، فإن أفضل خيار كان ليصبح التخلف عن السداد، وإعادة هيكلة الدين، وخفض قيمة عملتها. ولكن لأن الاتحاد الأوروبي لم يكن يريد أن تخرج اليونان من منطقة اليورو (والذي كان ليشكل انتكاسة كبرى لأوروبا كمشروع سياسي)، فكان من الواجب أن تمنح اليونان ما يكفي من المساعدات والدعم والإعفاء من الديون والمساعدة في سداد الأقساط لتعويضها عن أي مزاياً قد تكتسبها بالخروج من الاتحاد النقدي.

ولكن بدلاً من ذلك، اختار دائنو اليونان تشديد الخناق عليها. ونتيجة لهذا، ربما أصبحت اليونان اليوم في حال أسوأ كثيراً مما كانت لتصبح عليه لو تخلت عن اليورو عام 2010. وتقدم لنا أيسلندا، التي ضربتها أزمة مالية في عام 2008، بياناً مغايرا. ففي حين لا تزال اليونان غارقة في الكساد، تمكنت أيسلندا ــ وهي ليست عضواً في منطقة اليورو ــ من تحقيق التعافي.