Trump, Merkel and Macron John Macdougall/Getty Images

أوروبا في زمن ترمب

بروكسل ــ يبدو أن التحالف عبر الأطلسي ــ الذي أسَّس لعقود من الزمن للاستقرار العالمي، وحَصَّن الديمقراطية، وصان الغرب كما نعرفه ــ أصبح خاضعا لضغوط شديدة، وبات مهددا بالانهيار إلى الأبد. ولا شك أن الرئيس الأميركي دونالد ترمب ــ الذي دأب على تحدي تحالفات أميركا التقليدية، بما في ذلك من خلال الهجوم على منظمة حلف شمال الأطلسي ــ يتحمل قدرا كبيرا من المسؤولية عن هذا التدهور. ولكن أوروبا، من خلال تقاعسها، ساهمت أيضا في بلوغ هذه الحال ــ والآن يتعين عليها أن تسهم في إصلاحها.

The Year Ahead 2018

The world’s leading thinkers and policymakers examine what’s come apart in the past year, and anticipate what will define the year ahead.

Order now

لا شك أن الوعكة التي يمر بها الغرب ناجمة عن تحديات حوكمة الاقتصاد التي لا تزال بلا حل والتي خلقتها العولمة. وتشتد حدة هذه التحديات في الاتحاد الأوروبي، حيث منع الشلل السياسي الحكومات من تنفيذ كامل الإصلاحات اللازمة للتغلب على الأزمة المالية التي اندلعت قبل عشر سنوات.

يتفق القادة الأوروبيون على أن الهيكل المؤسسي الحالي في منطقة اليورو معيب، وهم يعرفون ماذا يتعين عليهم أن يفعلوا. ولكن تظل آفة الجمود متمكنة منهم، ويقيد الاتجاه المحافظ حركتهم، وتشغلهم السياسة الداخلية، ويسمح العديد من القادة لأنفسهم بالوقوع رهينة للتشكك الشعبوي في أوروبا. وقد فشلوا نتيجة لهذا في اتخاذ الخطوات اللازمة لضمان استقرار الاتحاد الأوروبي في الأمد البعيد، بما في ذلك الاتحاد المصرفي الكامل لدعم الموارد المالية الأوروبية ونظام حقيقي للحوكمة الاقتصادية على نطاق الاتحاد الأوروبي بالكامل.

بيد أن غياب رئيس أميركي مقنع ومستعد وقادر على تشجيع الاتحاد الأوروبي على إحراز المزيد من التقدم نحو التكامل يجعل الأمور أكثر تعقيدا. ولكن يتعين على القادة الأوروبيين أن يتحملوا المسؤولية عن تصلبهم ــ وأن يتخذوا التدابير اللازمة لإنقاذ الاتحاد.

الخبر السار هنا هو أن الدعم الشعبي للاتحاد الأوروبي تحسن بشكل ملحوظ منذ صوتت المملكة المتحدة لصالح الخروج من الاتحاد الأوروبي في يونيو/حزيران 2016، الأمر الذي أتاح الفرصة لإحداث إصلاح حقيقي. ولكن نافذة الفرصة لن تظل مفتوحة لفترة طويلة. وحتى الآن، فشل قادة الاتحاد الأوروبي في الاستفادة من الدعم المتجدد للمشروع الأوروبي لعرض الحجج الداعمة للتغيير.

هذا لا يعني أن الخطوات الإيجابية غائبة تماما. ففي تناقض مرحب به مع نزوع ترمب الجاهل نحو فرض تدابير الحماية، واصل الاتحاد الأوروبي دفع عجلة التجارة الحرة، من خلال إبرام اتفاقيات تجارية مع كندا واليابان، وفتح المفاوضات مع أستراليا، وكتلة ميركوسور في أميركا اللاتينية، ونيوزيلندا.

ونظرا لقدرة الاتفاقيات التجارية الأوروبية على المساعدة في ضمان اتخاذ نهج أكثر تقدمية في التعامل مع قضية العولمة ــ وهو أمر بالغ الأهمية لإنقاذها ــ فإن تكثيف مثل هذه الجهود ضرورة أساسية. ولكن من الأهمية بمكان تحويل التركيز من التجارة الحرة إلى التجارة العادلة. ولابد أن يكون أداء قادة أوروبا أفضل في التواصل مع المستفيدين المحتملين من اضطلاع الاتحاد الأوروبي بوضع قواعد التجارة العالمية.

وينطبق الأمر نفسه على المجالات الأخرى حيث يُبدي الاتحاد الأوروبي زعامته القيمة. على سبيل المثال، تقود المفوضية الأوروبية الطريق نحو كبح جماح إساءة استخدام انفتاح الحساب الرأسمالي ــ وبشكل خاص، من خلال الحد من التهرب الضريبي من جانب الشركات المتعددة الجنسيات داخل الاتحاد الأوروبي وأماكن أخرى.

وينبغي للقادة الأوروبيين أن يعملوا على إبراز هذه الجهود. فبعد مرور ما يزيد على العام قليلا منذ أكدت أوراق بنما على حجم التهرب الضريبي من قِبَل أثرياء العالم، جاء إطلاق ما يسمى "أوراق الفردوس" ليفضح مرة أخرى أولئك الذين ضخوا مبالغ طائلة من المال إلى ملاذات ضريبية آمنة في الخارج ــ بما في ذلك عدد كبير من الوزراء في حكومة ترمب. والآن حان الوقت لكي يعكف الاتحاد الأوروبي على وضع سجل عام كامل لمالكي الائتمان المستفيدين، في حين يضاعف جهوده في سبيل الإصلاح العالمي.

ومن الخطوات الأخرى الإيجابية التي من المتوقع أن يتخذها الاتحاد الأوروبي هذا الشهر، في إطار قمة جوتنبرج الاجتماعية، إقرار الدعامة الأوروبية للحقوق الاجتماعية من قِبَل المجلس الأوروبي، والمفوضية الأوروبية، والبرلمان الأوروبي. تركز الدعامة الأوروبية للحقوق الاجتماعية على ضمان تكافؤ الفرص والقدرة على الوصول إلى سوق العمل، وظروف العمل العادلة، والحماية الاجتماعية والإدماج. وهنا أيضا لابد أن تكون الدعاية لهذه الجهود ــ التي تدحض الادعاءات بأن الاتحاد الأوروبي ليس سوى ناد للنخب الرأسمالية النيوليبرالية ــ أكثر فعالية.

إذا أخفق الاتحاد الأوروبي في اغتنام الفرصة لتنفيذ الإصلاحات الفعّالة، فقد تستعيد الاتجاهات السياسية غير الليبرالية داخل الكتلة قوتها، وخاصة إذا سُمِح للدول الأعضاء التي تتحرك بالفعل في هذا الاتجاه ــ بولندا والمجر على وجه التحديد ــ بالاستمرار على مسارها الحالي. وخارج حدود الاتحاد الأوروبي، يتعين على قادة الكتلة أن يسارعوا إلى عرض نوع جديد من العلاقات لا يقوم على الانضمام إلى الاتحاد الأوروبي في نهاية المطاف على تركيا، حيث ركز الرئيس رجب طيب أردوغان السلطة السياسية بين يديه.

لا تملك أوروبا أي اختيار سوى التحرك الآن. فعلى نحو شبه يومي، تظهر أدلة جديدة تشير إلى أن ترمب يظل ملتزما بنهج "أميركا أولا"، الذي يتبرأ من دور الولايات المتحدة التقليدي بوصفها المدافع الرئيسي عن الديمقراطية الليبرالية. وسوف يواصل الشعبويون المنتمون إلى اليمين والأنظمة الاستبدادية ــ في أوروبا وغيرها ــ مساعيهم الرامية إلى استغلال فراغ الزعامة العالمية الناتج عن انسحاب الولايات المتحدة. والسبيل الوحيد لحماية النظام العالمي الليبرالي هو أن تتقدم قوى أخرى ــ بدءا بالاتحاد الأوروبي ــ لشغل الفراغ.

يتعين على قادة العالَم أن يقاوموا ضغوط القَبَلية السياسية القصيرة الأجل وأن يتصدوا للتحديات الجيوسياسية والاقتصادية التي تنتظرهم. وسوف يفشل الشعبويون وأنصار تدابير الحماية من اليمين واليسار حتما في الوفاء بوعودهم التبسيطية. ولكن لابد أن تكون القوى الوسطية والتقدمية في أوروبا جاهزة ومستعدة.

ترجمة: إبراهيم محمد علي          Translated by: Ibrahim M. Ali

http://prosyn.org/Kwb2rHh/ar;

Handpicked to read next

  1. Patrick Kovarik/Getty Images

    The Summit of Climate Hopes

    Presidents, prime ministers, and policymakers gather in Paris today for the One Planet Summit. But with no senior US representative attending, is the 2015 Paris climate agreement still viable?

  2. Trump greets his supporters The Washington Post/Getty Images

    Populist Plutocracy and the Future of America

    • In the first year of his presidency, Donald Trump has consistently sold out the blue-collar, socially conservative whites who brought him to power, while pursuing policies to enrich his fellow plutocrats. 

    • Sooner or later, Trump's core supporters will wake up to this fact, so it is worth asking how far he might go to keep them on his side.
  3. Agents are bidding on at the auction of Leonardo da Vinci's 'Salvator Mundi' Eduardo Munoz Alvarez/Getty Images

    The Man Who Didn’t Save the World

    A Saudi prince has been revealed to be the buyer of Leonardo da Vinci's "Salvator Mundi," for which he spent $450.3 million. Had he given the money to the poor, as the subject of the painting instructed another rich man, he could have restored eyesight to nine million people, or enabled 13 million families to grow 50% more food.

  4.  An inside view of the 'AknRobotics' Anadolu Agency/Getty Images

    Two Myths About Automation

    While many people believe that technological progress and job destruction are accelerating dramatically, there is no evidence of either trend. In reality, total factor productivity, the best summary measure of the pace of technical change, has been stagnating since 2005 in the US and across the advanced-country world.

  5. A student shows a combo pictures of three dictators, Austrian born Hitler, Castro and Stalin with Viktor Orban Attila Kisbenedek/Getty Images

    The Hungarian Government’s Failed Campaign of Lies

    The Hungarian government has released the results of its "national consultation" on what it calls the "Soros Plan" to flood the country with Muslim migrants and refugees. But no such plan exists, only a taxpayer-funded propaganda campaign to help a corrupt administration deflect attention from its failure to fulfill Hungarians’ aspirations.

  6. Project Syndicate

    DEBATE: Should the Eurozone Impose Fiscal Union?

    French President Emmanuel Macron wants European leaders to appoint a eurozone finance minister as a way to ensure the single currency's long-term viability. But would it work, and, more fundamentally, is it necessary?

  7. The Year Ahead 2018

    The world’s leading thinkers and policymakers examine what’s come apart in the past year, and anticipate what will define the year ahead.

    Order now