ARMEND NIMANI/AFP/Getty Images

مواجهة تهديد المهاجرين للاتحاد الأوروبي

مدريد ــ يبدو أن الاتحاد الأوروبي يعشق إعطاء الإنذارات النهائية لنفسه، مثل الموعد النهائي بعد عامين لمفاوضات خروج بريطانيا من الاتحاد الأوروبي أو تصريح رئيس المفوضية الأوروبية جان كلود يونكر عند توليه منصبه بأن مفوضيته هي "مفوضية الفرصة الأخيرة". ومن المؤسف أن قادة أوروبا نادرا ما يتابعون إلى النهاية أفضل خططهم. ولكن عندما يتعلق الأمر بالهجرة، فربما لا يكون لديهم أي فرصة للاختيار.

لقد أصبحت المسألة أشبه بسيف داموقليس المسلط على الرقاب في الاتحاد الأوروبي. فهي تباعد بين كل خطوط الصدع: بين الدولة والمجتمع، وبين الأمن والانفتاح، وبين الهوية الوطنية والهوية الأوروبية، وبين القيم الاجتماعية والمصالح الاقتصادية أو الاستراتيجية. ونتيجة لهذا فإن الهجرة، أكثر من أي من التحديات الأخرى العديدة التي يواجهها الاتحاد الأوروبي اليوم، قادرة على تدمير المشروع الأوروبي.

بطبيعة الحال، أثبت الاتحاد الأوروبي في كثير من الأحيان أن الغَلَبة تكون للقصور الذاتي عندما تتفاقم الأمور. ولكن نظرا لإلحاح أزمة الهجرة اليوم، فلن يتمكن حتى الاتحاد الأوروبي من إيجاد طريقة للخروج من الأزمة. وإذا حاول فلن تُفضي محاولاته إلا إلى تفاقم المشكلة، وتآكل الأسس التي يقوم عليها الاتحاد الأوروبي ذاته. وعلى سبيل التغيير، لم يعد أمام قادة أوروبا إلا أن يتحركوا أو يصمتوا إلى الأبد.

لكي أكون واضحا، من المؤكد أن مشكلة الهجرة في أوروبا لن تزول. ولم يكن تراجع طلبات اللجوء في عام 2017 مؤشرا إلى أن المشكلة أصبحت تحت السيطرة، كما تصور كثيرون. بل على العكس من ذلك، بينما لم يصبح تحدي الهجرة واضحا لكثير من الأوروبيين إلا في عام 2015، عندما فتحت المستشارة الألمانية أنجيلا ميركل الباب أمام مليون من طالبي اللجوء اليائسين، فقد ابتليت منطقة جنوب أوروبا بهذه القضية لفترة طويلة وبدأت الآن تشهد طفرات بالغة الخطورة.

ويتجلى هذا التغيير في ملحمة السفينة إم. إس. أكواريس مؤخرا. فقد أنقذت هذه السفينة التي تديرها جمعية خيرية فرنسية ألمانية 630 مهاجرا ولاجئا قبالة سواحل ليبيا. وفي التاسع من يونيو/حزيران، رفض وزير الداخلية ونائب رئيس وزراء إيطاليا الجديد، ماتيو سالفيني، طلب السفينة الرسو في بلاده ومنعها حتى من دخول المياه الإيطالية. ثم رفضت مالطا أيضا دخول اللاجئين. وأخيرا، بعد ما يقرب من أسبوع، تحركت إسبانيا فسمحت للسفينة بالرسو في ميناء فالنسيا.

يصل المهاجرون غير النظاميين إلى أوروبا كل يوم: فبينما كانت أكواريس ترسو في فالنسيا، جرى إنقاذ أكثر من ألف شخص على بعد بضعة مئات من الأميال إلى الجنوب، أثناء محاولتهم عبور مضيق جبل طارق. لكن الأحداث الدرامية التي تحظى بتغطية إعلامية واسعة النطاق مثل قضية أكواريس تخلق حوافز سياسية لمواقف متشددة. وهي بمثابة حلوى سياسية للشعبويين وسم زعاف في نظر صناع السياسات العقلاء.

Subscribe now

Exclusive explainers, thematic deep dives, interviews with world leaders, and our Year Ahead magazine. Choose an On Point experience that’s right for you.

Learn More

والواقع أن الاتهامات المضادة التي أعقبت تحرك سالفيني كانت مثيرة للانقسامات على نحو غير مسبوق. فقد اتهم الرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون حكومة إيطاليا الشعبوية بالاستهزاء بالقيم وانعدام المسؤولية. وفي ألمانيا، أصبح بقاء ائتلاف ميركل الحاكم الآن عُرضة للخطر، بسبب المواجهة حول الهجرة بين حزبها، الاتحاد الديمقراطي المسيحي، وشقيقه البافاري حزب الاتحاد الاجتماعي المسيحي، الذي يقوده وزير الداخلية هورست زيهوفر.

لن تكون السفينة أكواريس الأخيرة من نوعها، ولن تتحمل أوروبا مواجهة مثل هذه الدراما كلما ظهرت إحدى هذه السفن. ولابد من إغلاق الفجوة بين خطاب التضامن والقيم المشتركة الذي نستمع إليه من قادة الاتحاد الأوروبي وبين سلوكهم الواقع. ومن المؤسف أن هذه النتيجة غير مضمونة على الإطلاق.

حتى الآن، كانت استجابة الاتحاد الأوروبي للهجرة معتمدة على تدابير وتفويضات تجري من القمة إلى القاعدة. والواقع أن مثل هذا النهج، لو اتخذ في وقت مبكر بالقدر الكافي (ولنقل في عام 2013 أو عام 2014) ربما كان ليكفي لتوجيه نهج أوروبي مشترك. غير أن التباطؤ المفرط وعدم اليقين ــ وخاصة بسبب الأحادية الألمانية ــ أعاق العمل على مستوى الاتحاد الأوروبي، في حين عمل على تمكين الهجرة من التحول إلى قضية ساخنة في السياسة الداخلية.

ولكن ما العمل الآن؟ سوف يركز اجتماع المجلس الأوروبي في يونيو/حزيران على الهجرة، ولكن ليس هناك من الأسباب ما قد يدعو إلى الأمل في أن يجلب هذا الاجتماع أي تقدم ملموس. فالاتحاد الأوروبي ليس قريبا حتى من التوصل إلى إجماع حول السياسات ــ فالمناخ السياسي لا يسمح بذلك.

بدلا من مناقشة إملاءات المفوضية الأوروبية وشجب تمرد الدول الأعضاء، نحتاج حقا إلى إعادة ضبط كاملة من جانب قادة الاتحاد الأوروبي. وقد تحقق بعض التقدم على العديد من الجبهات، بما في ذلك تقاسم الأعباء في ما يتصل بتوطين اللاجئين، وإصلاح وتعزيز سبل الحماية الحدودية وخفارة السواحل، وإبرام اتفاقيات مع دول أخرى لإعادة المهاجرين، وتوفير مساعدات التنمية والحوكمة لمعالجة العوامل التي تدفع الناس إلى الهجرة. لكن هذا لا يكفي.

هناك حل آخر ممكن يتلخص في إنشاء مراكز لمعالجة المهاجرين وإعادة توطينهم ــ "منصات الهبوط" ــ خارج أراضي الاتحاد الأوروبي. لكنه اقتراح محفوف بالتحديات، فهو يشبه النهج المثير للمشاكل الذي تبنته أستراليا في التعامل مع الهجرة، حيث يحتجز المهاجرون ــ بعيدا عن الأنظار وعن الخواطر، لسنوات في كثير من الأحيان ــ في ناورو المجاورة وبابوا غينيا الجديدة.

لكن المجلس الأوروبي يفكر الآن في مثل هذه المنصات على وجه التحديد، كما ينبغي لها أن تكون. فلا ينبغي لأوروبا أن تقلد أستراليا، لكن إنشاء مثل هذه المنصات ــ مع معالجة حقيقية وإعادة توطين ــ في دول ثالثة، من الممكن أن يقدم فوائد كبرى، وخاصة منع المزيد من الأحداث الدرامية مثل مسألة السفينة أكواريس.

من شأن منصات الهبوط هذه أن تعمل على تمكين التقييم المنضبط لتحديد أي من المهاجرين يستحق الحماية القانونية من جانب الاتحاد الأوروبي، قبل أعادة توطينهم في الاتحاد. وإذا أدرك المهاجرون أنهم لن يتمكنوا من وضع أقدامهم على أرض أوروبية دون أن يثبتوا أولا أنهم مؤهلون للحصول على اللجوء، فسوف يكون غير المؤهلين أقل عُرضة للوقوع ضحية لادعاءات المهربين التي تدفعهم إلى المجازفة بخوض هذه الرحلة المحفوفة بالمخاطر.

إذا كان للاتحاد الأوروبي أن ينجو من أزمة الهجرة، فعليه أن يعمل بشكل جماعي تعاوني. صحيح أن إقامة منصات الهبوط في دول ثالثة تثير تحديات قانونية وأخلاقية ومالية، لكن كل هذه التحديات يمكن التغلب عليها. وربما يعتمد مستقبل الاتحاد الأوروبي عليها.

ترجمة: مايسة كامل          Translated by: Maysa Kamel

http://prosyn.org/f5IRsDi/ar;

Handpicked to read next

Cookies and Privacy

We use cookies to improve your experience on our website. To find out more, read our updated cookie policy and privacy policy.