5

تأمين أوروبا ما بعد الخروج البريطاني

مدريد ــ يُقال إن الصبورين ينالون دوما كل ما هو طيب. إذا كان الأمر كذلك حقا، فإن الاستراتيجية العالمية الجديدة بشأن السياسة الخارجية والأمنية في الاتحاد الأوروبي، التي طال انتظارها أكثر من عشر سنوات، لابد أن تكون شيئا طيبا للغاية. الواقع أن هذه الاستراتيجية هي ما يحتاج إليه الاتحاد الأوروبي على وجه التحديد. ولكن توقيت إطلاقها ــ بعد تصويت المملكة المتحدة على الخروج من الاتحاد الأوروبي مباشرة ــ ربما يدفع بها إلى مرتبة متدنية من الأهمية. وسوف تكون الكيفية التي يدفع بها الاتحاد الأوروبي هذه الاستراتيجية إلى الأمام بمثابة المنارة لمستقبل المشروع الأوروبي.

الواقع أن هذه الاستراتيجية، التي كشفت عنها فيديريكا موجيريني، الممثل الأعلى للاتحاد الأوروبي للشؤون الخارجية والسياسة الأمنية، تفعل ما ينبغي لها أن تفعله على وجه التحديد: فهي توفر رؤية إرشادية متماسكة وإطارا مرنا لتبني سياسات ملموسة. وهي تعمل على إيجاد التوازن المثالي بين الواقعية والطموح، كما تدرك الحدود التي تقيد الاتحاد الأوروبي، وتحدد بدقة التحسينات المطلوبة.

Erdogan

Whither Turkey?

Sinan Ülgen engages the views of Carl Bildt, Dani Rodrik, Marietje Schaake, and others on the future of one of the world’s most strategically important countries in the aftermath of July’s failed coup.

والمنظور الذي ترتكز عليه الاستراتيجية واضح من الجملة الأولى: "نحن في احتياج إلى أوروبا أقوى". ويشير هذا إلى تحول كبير بعيدا عن الاستراتيجية السابقة التي عفا عليها الزمن، والصادرة في عام 2003، والتي أعلنت جملتها الافتتاحية التي كثيرا ما كانت موضع انتقاد: "لم تكن أوروبا من قبل قط بهذا القدر من الازدهار، والأمن، والحرية".

تركز الاستراتيجية الجديدة على وجه التحديد على أهمية دوام القوة الناعمة التي يتمتع بها الاتحاد الأوروبي، والتي يلعب التوسع المحتمل فيها دورا مهما، في حين تعترف بأن القوة الناعمة وحدها ليست كافية لضمان الأمن. وعلاوة على ذلك، تؤسس الاستراتيجية ضمنا للتسلسل الصحيح لتطور النهج الذي يتعامل به الاتحاد الأوروبي مع العالم، من خلال تقديم رؤية أكثر تحديدا في مواجهة التحديات الإقليمية من تلك التي تتبناها في التصدي للتحديات العالمية. والرسالة واضحة: يتعين على الاتحاد الأوروبي أن يستجمع شتات نفسه في الداخل قبل أن يتمكن من الاضطلاع بدور أوسع نطاقا.

كل هذا حسن وجيد، ولكنه لن يرقى إلى شيء يُذكَر إذا لم "يتوحد" زعماء الاتحاد الأوروبي، على حد تعبير موجيريني، لضمان تحقيق هذه الاستراتيجية لكامل إمكاناتها. وحتى الآن لا تبدو الآفاق واعدة بشكل خاص.

الواقع أن الخروج البريطاني، الذي دفع الأسواق العالمية إلى حالة من الارتباك وأثار تساؤلات جدية حول مستقبل الاتحاد الأوروبي، طغى على إطلاق الاستراتيجية الأمنية، التي لم تُذكَر إلا بالكاد في ختام قمة المجلس الأوروبي الأخيرة. وما يزيد الأمور سوءا، بدلا من إلهام عملية محاسبة النفس المطلوبة بشدة بين زعماء الاتحاد الأوروبي، أن الاستفتاء البريطاني دفع كثيرين كما يبدو إلى السماح للمصالح السياسية الوطنية، ناهيك عن الطموحات الشخصية، بتوجيه تفكيرهم.

كان هذا الدافع لخدمة المصالح الذاتية واضحا جليا في التصريحات النارية التي أدلى بها رئيس البرلمان الأوروبي مارتن شولتز داعيا المملكة المتحدة إلى استحضار المادة 50 (إجراءات الانسحاب) على الفور ــ وهي الخطوة المقصود بها بكل تأكيد استهداف منافسته السياسية المستشارة الألمانية أنجيلا ميركل، التي دعت إلى المداولة والتأني. ويتجلى هذا الدافع أيضا في الموقف المتشدد الذي اتخذه الرئيس الفرنسي فرانسوا هولاند، والذي يبدو مدفوعا بتوقع المعركة مع الجبهة الوطنية اليمينية المتطرفة بقيادة مارين لوبان في الانتخابات الرئاسية العام المقبل. كما يتضح بشدة في الصراع بين المجلس الأوروبي والمفوضية الأوروبية للسيطرة على مفاوضات خروج بريطانيا المقبلة، التي ينشغل المجلس في إطارها في المقام الأول بدعم استقلال الدول الأعضاء.

هذا هو على وجه التحديد نفس النوع من قِصَر النظر الذي قوض صورة الاتحاد الأوروبي لفترة طويلة في العالم، كما قوضها بين الدول الأعضاء من خلال تعزيز الانطباع بالعجز وعدم الكفاءة. قد يكون الخروج البريطاني، كما يحذر المتشائمون، نذيرا بسقوط الاتحاد الأوروبي. ولكن إذا ارتفع زعماء الاتحاد الأوروبي إلى مستوى التحدي الذي يفرضه الخروج البريطاني واتحدوا لتحقيق الرؤية الواردة في الاستراتيجية العالمية الجديدة، فقد يخرج الاتحاد الأوروبي من هذه الفترة العصيبة أكثر قوة من أي وقت مضى.

في الأوقات المضطربة، يتعين على أوروبا أن تقرر كيف تعتزم التصدي للتحديات الوجودية التي تواجهها. وتتلخص الطريقة المثلى للتقدم إلى الأمام في تقليص نقاط الضعف من خلال تعظيم مواطن القوة الجماعية. والبديل ــ أن تتدبر كل دولة أمورها بمفردها، كما اختارت بريطانيا أن تفعل ــ هو التهور بعينه. أما النهج الأكثر خطورة ــ الذي من شأنه أن يجلب القدر الأعظم من الصراع وانعدام الأمن ــ فهو أن يستمر التظاهر بالوحدة، في حين يعمل كل طرف بشكل مستقبل.

لقد أهدر زعماء الاتحاد الأوروبي بالفعل فرصة مهمة. فقد كان بوسعهم أن ينسجوا عملية تحديد طموحات وتطلعات أوروبا وصياغة استراتيجية أمنية تعكس هذه الطموحات والتطلعات، في إطار مناقشات أوسع للهيئة التي ينبغي أن يكون عليها الاتحاد الأوروبي، بما في ذلك في قمة المجلس الأوروبي الأخيرة. ولا ينبغي لهم أن يهدروا أيضا الفرصة التي تتيحها الاستراتيجية الجديدة الآن.

Support Project Syndicate’s mission

Project Syndicate needs your help to provide readers everywhere equal access to the ideas and debates shaping their lives.

Learn more

إن مثل هذه الفرص لا تسنح كل يوم. فقد تصبح استراتيجية الاتحاد الأوروبي الجديدة رمزا لبداية فصل جديد في المشروع الأوروبي، أو قد تتحول إلى رسالة مهملة حول مشروع ميت. ويتوقف هذا المصير أو ذاك على قدرة زعماء الاتحاد الأوروبي على التغلب على ضيق أفقهم وعلى الالتزام بالتعاون أو عجزهم عن ذلك. وحتى الآن كانت المردودات المبكرة غير واعدة.

ترجمة: مايسة كامل          Translated by: Maysa Kamel