22

الاتحاد الأوروبي أولا

ميونيخ ــ إن العالَم يحتاج الاتحاد الأوروبي الآن أكثر من أي وقت مضى. وعلى الرغم من الأزمات الأخيرة والضربة القاسية التي تلقاها بفِعل الخروج البريطاني، فربما يكون أفضل خطوط العالَم الدفاعية ضد أشد التهديدات خطورة اليوم: الانعزالية، ونزعة الحماية، والنزعة القومية، والتطرف بكافة أشكاله، والتي بدأت تنمو جميعها مرة أخرى في أوروبا وخارجها. والمفتاح الأساسي لتمكين الاتحاد الأوروبي من تلبية هذه الإمكانات ــ لإنقاذ نفسه والعالَم من كارثة محققة ــ هو أن تسارع الدول الأعضاء إلى تبني شعار "الاتحاد الأوروبي أولا".

خِلافا لعقيدة "أميركا أولا" التي تبناها الرئيس الأميركي دونالد ترامب، فإن مثل هذا الشعار لن يكون ضربا من ضروب الأحادية الضارة. فهو على العكس من ذلك، يُلزِم حكومات الدول الأعضاء بالنظر إلى ما هو أبعد من المصلحة الوطنية الضيقة، والدفاع عن الانفتاح والتعددية، والتصدي وجها لوجه للقوى السياسية الإقصائية التي اكتسبت المزيد من الأرض مؤخرا. وهو ما من شأنه أن يدفع الدول الأعضاء إلى تعزيز تماسك الاتحاد الأوروبي، وبالتالي تمكينه من التغلب على التحديات التي تواجهه والمساعدة في الحفاظ على النظام الدولي.

وهذا النظام ليس أداة تكميلية ثانوية وليس إحدى بقايا الحرب. فقد دعم ازدهار واستقرار العالَم على مدار سبعين عاما. ونحن في احتياج إليه ــ جنبا إلى جنب مع التعددية التي بُني عليها ــ في التصدي للعديد من التحديات الاقتصادية والبيئية والاستراتيجية التي تواجهنا الآن، وهي التحديات التي لا يمكن معالجتها على المستوى الوطني.

يتمثل حجر الأساس الذي يستند عليه النظام الدولي القائم في الاعتراف بأن الحفاظ على السلام ورفاهة البشر يتطلب فهم واحترام احتياجات ومصالح الآخرين ــ التي لا تقل مشروعية عن احتياجاتنا ومصالحنا. والواقع أن التعددية ليست نِتاجا للتضامن غير المستدام، كما يزعم بعض المراقبين؛ بل هي نتيجة لتفسير مستنير للمصالح الشخصية. فمن خلال تبني موقف إيجابي بنّاء، يُصبِح بوسع عدد كبير من القوى الفاعلة المختلفة التوصل إلى اتفاق يفوز بموجبه كل الأطراف عن طريق تبني القليل من المرونة؛ والتي بدونها تُصبِح آفاق السلام المستدام والازدهار المشترك قاتمة.