17

لماذا النقاش النقدي حول الإسلام مستحيل؟

باريس - بدأ الجدال عندما نشر الروائي والصحفي الجزائري كمال داود مقالا بصحيفة "لاريبوبليكا" الايطالية حول سلسلة الاعتداءات الجنسية في كولونيا بألمانيا في ليلة رأس السنة الجديدة. وقد تمت التغطية الإعلامية للهجمات على نطاق واسع ويٌقال إن منفذيها مجموعات من المهاجرين من شمال أفريقيا والشرق الأوسط، الأمر الذي قام داود بتفسيره  بالقول إن الكثير من المسلمين من المنطقة يعانون من الحرمان الجنسي الشديد، الأمر الذي يولد "علاقة غير صحية مع النساء و جسمهن ورغبتهن"، حسب تعبيره.

ويبدو أن داود لم يتوقع رد الفعل اتجاه مقاله، وخاصة في فرنسا، حيث تم إعادة نشره في صحيفة "لوموند". بعد انتقادات حادة تتهمه بالإسلاموفوبيا، أعلن داود أنه سوف يوقف عمله الصحفي للتركيز على كتابة الروايات. ولكن وضع الإسلام خارج حدود الانتقادات لا يٌسكت فقط صوت مؤلفين مثل داود، وإنما يوقف تلقائيا مناقشة تشتد الحاجة إليها.

Erdogan

Whither Turkey?

Sinan Ülgen engages the views of Carl Bildt, Dani Rodrik, Marietje Schaake, and others on the future of one of the world’s most strategically important countries in the aftermath of July’s failed coup.

ليس هناك أي شك أن قرار داود لكتابة المقال تَطلبَ شجاعة فائقة. في عام 2014، بعد وقت قصير من نشر روايته الأولى بعنوان "التحقيق حول قضية مورسول"، التي تٌعيد رواية ألبير كامو "الغريب" من وجهة نظر شقيق القتيل العربي، أعلن إمام سلفي فتوى تدعو لقتل داود بتهمة الردة والزندقة. ولكن هذا لم يمنعه من معالجة موضوع مثير للجدل من جديد.

وكتب داود أنه في العالم الإسلامي "المرأة  منبوذة أو مقتولة أو مضطهدة وحقوقها مهضومة ومهمشة أو محجبة أو مملوكة"  وليس لجسمها الحق في المتعة. ويذكر الإسلاميون في دعايتهم لجلب المجندين "أوصاف الجنة التي تشبه بيوت الدعارة أكثر من مكافأة أهل التقوى، والأوهام حول الحوريات لتلبية الرغبات الجنسية للانتحاريين وشرطة الأخلاق لمطاردة النساء التي تظهر الكثير من الجلد، والدكتاتورية المتزمتة والحجاب والبرقع ".

في وجهة النظر الإسلامية، لا يٌعد تحرير المرأة الغربية تعبيرا عن الحرية، ولكن علامة على الانحلال الأخلاقي في الغرب. ويخلص داود، "الإسلام هو الغضب ضد الرغبة. وكان لابد للرغبة أن تنفجر من حين لآخر في الأراضي الغربية، حيث هناك حرية مطلقة ".

كان الجواب سريعا وقاسيا. في 12 فبراير، قامت "جماعة" من علماء الأنثروبولوجيا وعلماء الاجتماع والمؤرخين بنشر هجوم عنيف في صحيفة لوموند بعنوان "تخيلات كمال داود"، واتهمته  "بإعادة الترويج  للأفكار النمطية الاستشراقية البالية" و "تغذية الأوهام المعادية للمسلمين لدى شريحة متنامية من الجمهور الأوروبي."

بالتأكيد، من المنطقي أن يتساءل الأكاديميون عن نهج داود. فهو استند في حجته على نوع من "الجوهرية" أو الشمولية، حيث قام بتفسير سلوكات فردية بعوامل ثقافية ودينية بسيطة نسبيا، مع إهمال الظروف الاجتماعية والسياسية والاقتصادية التي تلعب دورا مهما. وكان النقاد على حق في إبرازهم أن داود أغفل الإشارة إلى العديد من أعمال العنف التي لا علاقة بالإسلام والتي تٌرتكب ضد ا��مرأة في أوروبا وآسيا وأمريكا الشمالية.

لكن منتقدي داود تجاوزا حدود المناقشة المشروعة للأفكار، متهمين إياه "بتهوين" الانتقاد العنصري وإلباسه  ثوب "الفكر الإنساني."  في الحقيقة وضعوا حقه في تمني التغيير المنشود في العالم الإسلامي الذي سيعيد النظر في التعامل مع المرأة وفي المحرمات الجنسية موضوع السؤال والتشكيك. وأجاب داود "ما زلت أشعر أن هذا الرد غير أخلاقي تماما"، ، "قدموني كأضحية دفعت على منصة الكراهية المحلية، وتمت إدانتي بالكراهية للإسلام من قبل محاكم التفتيش اليوم."

خلقت هذه الحلقة  ضجة في فرنسا قرر بعدها  العديد من الكتاب - وكذلك العديد من المدونين الفرنسيين الجزائريين – الدفاع عن  داود، منتقدين الهجمات ضده من قبل السلفيين والأكاديميين بهدف إخراس صوته. حتى رئيس الوزراء الفرنسي مانويل فالس تدخل في الموضوع، حيت  قام بالثناء على"التفكير الثابت والأصلي" لداود وأدان منتقديه. وفي إشارة إلى الشعار الوطني لفرنسا، دافع فالس عن "الحرية، وبالضبط، حرية الكتابة والتفكير، والمساواة بين الرجال والنساء، والإخاء والعلمانية، التي تستند  عليها الوحدة الاجتماعية لدينا." على حد تعبيره، "وترك هذا الكاتب ليدافع عن نفسه وحيدا  سيكون مثل التخلي عن هويتنا ".

Support Project Syndicate’s mission

Project Syndicate needs your help to provide readers everywhere equal access to the ideas and debates shaping their lives.

Learn more

للأسف، متاعب داود هي مجرد مثال واحد من البحث الفكري المشروع الذي يتطور إلى مشاحنات سياسية حول ما إذا كان من المقبول أن ينتقد الإسلام. هذا له آثار خطيرة على الفكر الحر، وكذلك على مستقبل الإسلام نفسه.

وأصبح من المألوف اليوم عند المحللين السياسيين الدوران حول حججهم من أجل تجنب الاتهام بكراهية الإسلام. ونتيجة لذلك، بدلا من دراسة الدور الشمولي الذي يلعبه الإسلام في صنع التطرف، على سبيل المثال، يصفون المتطرفين كأنهم سقطوا من السماء بشكل عشوائي في أحضان الإسلام. من أجل حرية الفكر وحدها، لقد حان الأوان لوقف اتهام أي شخص يجرؤ على مناقشة الدين بشكل نقدي. وحتى نفعل ذلك، سيكون مستحيلا مناقشة صادقة لحضور الإسلام في أوروبا.