sierakowski56_JOHN THYSPOOLAFP via Getty Images_morawiecki John Thys/Pool/AFP via Getty Images

أوروبا تنقذ الشعبويين فيها

وارسو- كما كان متوقعا هاجم البرلمان الأوروبي الميزانية والحزمة المخصصة للتعامل مع الجائحة والتي أقرها المجلس الأوروبي مؤخرا. ان المبلغ المعلن وهو 1،8 تريليون يورو (2،1 تريليون دولار امريكي ) والتخفيضات المقترحة على تمويل التنمية بما في ذلك العلوم والأبحاث واجهت بعض المقاومة كما كان متوقعا لكن اكبر عقبة كانت دائما المقترح المتعلق بجعل تمويل الاتحاد الأوروبي مشروطا باحترام حكم القانون .

لقد جادل داشيان سيلوس وهو زعيم مجموعة تجديد أوروبا الوسطية دعما لذلك الشرط حيث قال " ان هذا لا يستهدف هنغاريا أو بولندا او أي دولة أخرى عضو في الاتحاد الأوروبي بل الهدف هو التحقق من ان الأموال الأوروبية لم تعد تمول الحكومات التي تدير ظهرها لقيمنا الأساسية بشكل يومي ".

لكن ليس سرا انه في كلا من هنغاريا وبولندا يتم استخدام أموال الاتحاد الأوروبي بشكل منهجي من اجل تمويل الفساد السياسي أو الخاص والصرف على العطايا للمناصرين السياسيين . ان آخر تلك الأمثلة هو السيطرة على اخر موقع اخباري مستقل في هنغاريا والذي يقرأه ملايين الهنغاريين وبالإضافة الى ذلك فإن الحكومات بقيادة حزب فيديسز في هنغاريا وحزب القانون والعدالة في بولندا هي من أقل الحكومات تقبلا لإظهار التضامن عندما يتعلق الأمر بقبول اللاجئين أو دعم الصفقة الأوروبية الخضراء . ان بولندا على سبيل المثال هي الدولة الوحيدة العضو في الاتحاد الأوروبي والتي رفضت تبني هدف "صافي صفر كربون" لسنة 2050.

وعوضا عن مواجهة هولاء الأشرار بشكل مباشر ، سعى الاتحاد الأوروبي الى تسوية وذلك من خلال تكليف المفوضية الأوروبية بمهمة انشاء الية للعقوبات المالية وذلك من اجل التعامل مع انتهاكات حكم القانون علما ان أي شيء تقرره المفوضية سيخضع لتصويت اغلبية مؤهلة من الدول الأعضاء.

ان تسوية المجلس الأوروبي لم تحظى بحماسة أكبر من الحماسة التي وجدتها في هنغاريا وبولندا حيث استطاعت الحكومتان تجنب موقفا صعبا وفي واقع الأمر فإن من الصعب وصف الصفقة على انها تسوية على الاطلاق وذلك نظرا لإن كل جانب يدعي انه وافق على شيء مختلف.

طبقا لرئيسة مفوضية الأتحاد الأوروبي اورسولا فون دير لاين فإن المفوضية جاهزة لإدخال آلية واضحة وفعالة من اجل معاقبة أي انتهاكات لحكم القانون وهي تتوقع الحصول على اغلبية مؤهلة بدون أي مشكلة وعلى النقيض من ذلك فإن رئيس الوزراء البولندي ماتيوز مورافيكي يدعي ان أي اقتراح يقوم على أساس شروط معينة سيتطلب الدعم من جميع رؤساء الحكومات بما في ذلك من رؤساء حكومات مجموعة فيسغراد (هنغاريا وبولندا وجمهورية التشيك وسلوفاكيا) وأضاف " أنه بدون موافقة هنغاريا وبدون موافقة بولندا وبدون موافقة مجموعة فيسغراد فإنه لن يحصل أي شي".

Subscribe to Project Syndicate
Bundle2020_web

Subscribe to Project Syndicate

Enjoy unlimited access to the ideas and opinions of the world's leading thinkers, including weekly long reads, book reviews, and interviews; The Year Ahead annual print magazine; the complete PS archive; and more – all for less than $2 a week.

Subscribe Now

إما ان مورافيكي يفترض انه سيتم تطبيق مبدأ الإجماع أو انه لا يعتقد انه سيتم الحصول على الأغلبية المؤهلة بدون مجموعة فيسغراد وعلى أي حال لا يوجد أي شك أين تقف الحكومة البولندية حيث تبين مجددا ان بولندا هي اكبر مستفيدة من أموال الاتحاد الأوروبي حيث حصلت على 139 مليار يورو على شكل منح و 34 مليار يورو على شكل قروض وذلك ضمن الميزانية الجديدة ومدتها سبع سنوات وببنما تعتبر هذه الأموال أقل بالنسبة المئوية مقارنة بما حصلت عليه حكومة رئيس الوزراء السابق دونالد تاسك من الاتحاد الأوروبي للفترة من 2014 الى 2020 ، الا ان التوزيعات الإضافية من صندوق التعافي من الجائحة سوف يجعل المبلغ الإجمالي أعلى بكثير.

وكنتيجة لذلك فإن التأثير الفعلي للتسوية هي عكس ما قصده الاتحاد الأوروبي . ان حزب القانون والعدالة سوف يحصل الان على المزيد من الأموال من الاتحاد الأوروبي والتي سوف يستخدمها الحزب لتمويل التحويلات الاجتماعية وتعزيز سلطته علما انه منذ اعلان تلك الصفقة ارتفعت العملات البولندية والهنغارية بشكل سريع مقارنة باليورو والدولار وعلى أثر ذلك ارتفعت مؤشرات أسواق الأسهم في وارسو وبودابست .

يبدو انه ضمن التسلسل الهرمي لمشاكل الاتحاد الأوروبي ، فإن انتهاكات حكم القانون قد أصبحت أقل أهمية بسبب الجائحة وما نتج عنها من انكماش اقتصادي وأزمة المناخ التي تلوح بالأفق. يبدو ان قادة الاتحاد الأوروبي يواجهون معضلة حيث قرر هولاء القادة انه يمكنهم اختيار واحدة فقط من الاختراقات التاريخية المحتملة : أما ان يحاولوا تطبيق سياسة الاقتراض الجماعي لإنقاذ الدول الأعضاء التي تعاني من أزمات ( تدشين سياسة مالية للاتحاد الأوروبي طال انتظارها) أو التطبيق المشترك لحكم القانون.

عندما وصف الرئيس الفرنسي ايمانويل ماكرون نتائج قمة المجلس الأوروبي على انها يوم تاريخي لاوروبا، كان يشير فقط لصندوق التعافي ولكن عندما يتعلق الأمر بحكم القانون فلقد كان ذلك اليوم الأوروبي يوما نمطيا حيث توصل قادة الاتحاد الأوروبي الى تسوية سمحت للجميع بالإعلان عن تحقيق النصر مع ترك القضية الكامنة بدون حل وهذا بالضبط ما كانت تريده بولندا وهنغاريا.

لكن سيكون من الخطأ التوصل الى نتيجة مفادها ان مورافيكي ورئيس الوزراء الهنغاري فكتور اوربان هما أكبر الفائزين حيث لا تستطيع هنغاريا أو بولندا إتباع سياسة خارجية خاصة بها ونظرا لإن كلا الدولتين معرضتان للضغط المتواصل من الخارج ، فإنه لا يوجد لديهما أي خيار سوى قبول الحلول الوسط –أو حتى الهزيمة- من خلال عملية صنع القرار المرتبكة ضمن الاتحاد الأوروبي.

ان الفائز الحقيقي هو المانيا والتي يمكنها أن تحافظ الآن على الضغط على الحكومة البولندية بينما تحميها من المعاناة بسبب عقوبات شديدة جدا. ان المتطلب الذي اقترح ان تخضع العقوبات لتصويت اغلبية مؤهلة لا يضمن أي شيء فالشرط نفسه ينطبق على إجراءات المادة 7 ضد هنغاريا وبولندا العام الماضي وما تزال العملية عالقة في المجلس الأوروبي.

في واقع الأمر عندما تعلن المفوضية عن تفاصيل آلية التطبيق، فإنه سيكون من الممكن ممارسة ضغوطات أكبر على بولندا وهنغاريا ولكن لن يواجه أي من البلدين مقصلة الميزانية بشكل فوري وذلك نظرا لإن الجدل المتعلق بهذا الموضوع في البرلمان الأوروبي وبين الدول الأعضاء قد يستغرق سنتين أو ثلاث سنين.

لا يوجد أحد يريد ان يعترف علنا بالحقيقة وعلى الرغم من ان الجميع يعرفها وهي ان عزل دولة مثل بولندا أو هنغاريا لن يفيد الغرب علما أن ألمانيا بشكل خاص ستخسر كثيرا فالاعمال التجارية في تلك البدان وبكل بساطة جيدة جدا. ان الأهمية التجارية لمجموعة فيسغراد بالنسبة لالمانيا هي اكبر من فرنسا أو الصين أو الولايات المتحدة الأمريكية وهي تنمو بشكل سريع.

ان الشعبوية مفيدة ليس فقط للأحزاب الحاكمة في بولندا وهنغاريا ولكن أيضا لألمانيا وحاليا فإن هذا المبدأ يتم تدوينه ضمنيا في ميزانية الاتحاد الأوروبي .

https://prosyn.org/cTE9fnlar