27

الشعوب أولا في أوروبا

باريس ــ يبدو أن نفس السخط الشعبوي الذي غذى التصويت لصالح خروج المملكة المتحدة من الاتحاد الأوروبي يشهد ارتفاعا واضحا في مختلف أنحاء أوروبا، وهو ما يشير إلى أن صناع السياسات فقدوا البصيرة في ما يتصل بالهدف الأساسي من المشروع الأوروبي: ضمان رفاهة كل الأوروبيين. وعلى حد تعبير تقرير الأمم المتحدة الأول للتنمية البشرية عام 1990: "فالبشر هم الثروة الحقيقية للأمة".

وأفضل طريقة للاستفادة من البشر في أي بلد أو منطقة هي من خلال العدالة الاجتماعية. في كتابه الرزين "فِكرة العدالة"، خلص أمارتيا سِن إلى أن العدالة الاجتماعية الحقيقية لا تتطلب المعاملة المتساوية للجميع، بل المعاملة غير المتساوية لصالح الفقراء والأكثر حرمانا. إن مجرد المساواة في الموارد المالية العامة أو في نظر القانون لا تكفي إذا لم نضع في الاعتبار أيضا نقاط البداية المختلفة للأفراد والفئات في المجتمع. وانطلاقا من إدراك هذه الحقيقة، كانت تقارير الأمم المتحدة في ما يتصل بالتنمية تسوق الحجج منذ عام 1990 التي تؤكد أن الاقتصادات والمجتمعات تصبح أقوى عندما تجعل السياسة العامة رفاهة الناس على رأس أولوياتها.

بيد أن هذه النظرة لم تضرب بجذور راسخة بعد في دوائر النخبة التي تصنع السياسات في الاتحاد الأوروبي، حيث يتصور خبراء الاقتصاد والساسة من ذوي النوايا الحسنة غالبا أنهم يفعلون الصواب بضبط الموازنات. ويعتقد صناع السياسات هؤلاء، بلا أدلة تجريبية تُذكَر، أن الحصافة المالية اليوم من شأنها أن تُفضي إلى اقتصاد أكثر قوة غدا.

هذا هو التفكير الذي يتجاوز مزيج السياسات الحالي في أوروبا، حيث يجتمع التقشف المالي بالإصلاح البنيوي، بما يعني تراجع الإنفاق على شبكة الأمان الاجتماعي ونقص القواعد التنظيمية اللازمة لحماية العمال. ومن الواضح أن تكاليف هذه السياسات يتحملها في الأغلب الفقراء وأبناء الطبقة المتوسطة.