4

أوروبا تسلك المنعطف الرقمي الخطأ

ستوكهولم ــ لقد فشلت أوروبا في اجتياز أول اختبار كبير تخضع له في ما يتصل بصياغة السياسات الرقمية الجيدة. ففي مايو/أيار، أعلنت المفوضية الأوروبية أنها تعتزم إنشاء سوق رقمية موحدة تضم 500 مليون مستهلك ومن شأنها أن تضيف 415 مليار يورو (463 مليار دولار أميركي) إلى الناتج المحلي الإجمالي للاتحاد الأوروبي، وأن تخلق نحو 3.8 مليون فرصة عمل. ولكن من المؤسف أن القرار الأخير بشأن قضية رقمية رئيسية ــ خصوصية البيانات ــ يهدد بتخريب هذا الجهد.

في شهر يونيو حزيران، صوَّت وزراء الشؤون الداخلية والعدالة في الاتحاد الأوروبي لصالح الاحتفاظ بصلاحيات وطنية كبيرة في مجال حماية الخصوصية الرقمية، بدلاً من إنشاء مجموعة واحدة من القواعد التي يتعين تطبيقها في بلدان الاتحاد الأوروبي كافة. وإذا وافق البرلمان الأوروبي على اقتراحهم، فسوف يُعاد تطبيق قواعد وطنية متباينة. والأمر الأشد إثارة للقلق والانزعاج هو أن هذا من شأنه أن يفتح الباب لفقرات تحظر التنقيب الحميد المنخفض المخاطر عن البيانات والذي يدفع الإعلان على شبكة الإنترنت.

Erdogan

Whither Turkey?

Sinan Ülgen engages the views of Carl Bildt, Dani Rodrik, Marietje Schaake, and others on the future of one of the world’s most strategically important countries in the aftermath of July’s failed coup.

إن الإعلان على إنترنت يسمح لمواطني الاتحاد الأوروبي بالوصول إلى المعلومات، والمواد التعليمية، والقنوات التجارية، والمواقع الترفيهية من دون دفع ثمنها بشكل مباشر، وتشهد المبالغ التي تنفق على الإعلان على الإنترنت في أوروبا نمواً سريعا. كما تضاعفت عائدات هذه الصناعة إلى أكثر من أربعة أمثالها منذ عام 2006، حتى برغم ركود عموم الاقتصاد الأوروبي. ولكن حملة الخصوصية في الاتحاد الأوروبي تهدد بتقويض كل هذا. فهي لن تخلق عبئاً إدارية من خلال التكاليف الإضافية والمتاعب البيروقراطية فحسب؛ بل إنها تثير أيضاً الاحتمال الحقيقي بأن عمل القواعد الجديدة على تقويض نموذج الأعمال الذي تتبناه العديد من الشركات الأكثر بروزاً على الإنترنت في أوروبا.

وهو أمر مؤسف ــ وكان بوسعنا أن نتجنبه بسهولة. ففي عام 2012، قدمت المفوضية الأوروبية اقتراحاً يقضي بتغيير تشريع حماية البيانات القائم في الاتحاد الأوروبي، والتي صيغت أحدث نسخه في عام 1995، عندما كانت شبكة الإنترنت تلعب دوراً ضئيلاً في الاقتصاد. وكان النص الأولي واعدا. فقد استهدف توحيد وتوفيق الإطار القانوني المفتت في أوروبا، وتزويد الشركات بمتجر "المحطة الواحدة" المفيد، وطمأنة المستهلكين إلى أن بياناتهم تستخدم على نحو لائق.

ولكن من المؤسف أن العديد من البنود الأكثر نفعاً تم التخلص منها منذ ذلك ا لحين. ففي الاجتماع الوزاري في يونيو/حزيران، أفرِغ مبدأ متجر المحطة الواحدة المهم من مضمونه. وبدلاً من السماح للشركات بالتعامل مع سلطات حماية البيانات في البلد الذي تتخذ منه مقراً أو قاعدة رئيسية في أوروبا، تُصِر البلدان الأعضاء على احتفاظ الهيئات التنظيمية الوطنية بالسيطرة. ووفقاً للقواعد الجديدة المقترحة، فإن أي سلطة "معنية" من حقها أن تعترض على أي قرار صادر عن هيئة تنظيمية وطنية أخرى، وهو ما من شأنه أن يفضي إلى إجراءات تحكيم معقدة تضم 28 هيئة تنظيمية.

وقد تبنى الوزراء أيضاً تعريفاً واسعاً للبيانات الشخصية. فكل من ملفات الكوكيز (قطع صغيرة من البيانات المخزنة على جهاز كمبيوتر متصل بشبكة الإنترنت) وعناوين بروتوكولات الإنترنت (رمز يستخدم لتعريف جهاز الكمبيوتر عندما يكون متصلاً بالإنترنت) سوف تضم إلى التعريف ــ حتى برغم أن أياً منهما لا تقدم رابطاً بفرد بعينه. وفي أفضل الأحوال، يهدد هذا التعريف الواسع غير المميز للبيانات الشخصية بخلق عقبات لا لزوم لها للمعلنين الرقميين الذين يتخذون من الاتحاد الأوروبي مقراً لهم. وفي أ��وأ الأحوال، سوف يفضي هذا التعريف إلى تجريم نموذج أعمالهم.

الواقع أن القواعد الصارمة غير الضرورية في التعامل مع البيانات سوف تلحق الضرر بالشركات الأوروبية على نحو غير متناسب. ذلك أن شركات مثل جوجل وفيسبوك وغيرهما من شركات الإنترنت الأميركية العملاقة في وضع يمكنها من الحصول على الموافقة الصريحة من قِبَل المستخدمين. ولكن قطاع الإنترنت في أوروبا تهيمن عليها شركات تتبنى نموذج أعمال يركز على تقديم الخدمات لشركات أخرى وليس إلى مستهلكين أفراد، مع قِلة من العلامات التجارية المعروفة التي تعالج بيانات المستهلكين ولكنها تفتقر إلى الاتصال المباشر بالمستخدمين. ونتيجة لهذا فإن البديل الحقيقي الوحيد المتاح لشركات الإنترنت الأوروبية سوف يتلخص في العمل مع منصات أميركية ضخمة والاعتماد عليها بشكل أكبر.

تُعَد المملكة المتحدة، والسويد، والنرويج، وهولندا بين الدول الرائدة في مجال الإنترنت على مستوى العالم، ولكن العديد من الدول الأوروبية الأخرى متخلفة عن الركب. ونتيجة لهذا، فإن الاقتصاد الرقمي يساهم بنحو 4% في الناتج المحلي الإجمالي في الاتحاد الأوروبي، مقارنة بنحو 5% في الولايات المتحدة ونحو 7.3% في كوريا الجنوبية. وسوف تضمن هذه الهيئات التنظيمية الجديدة تخلف الشركات الأوروبية كثيراً عن الشركات الدولية المنافسة لها.

Support Project Syndicate’s mission

Project Syndicate needs your help to provide readers everywhere equal access to the ideas and debates shaping their lives.

Learn more

الواقع أن أوروبا تواجه اختياراً مهما. ومن المؤكد أن الاتحاد الأوروبي يحتاج إلى طمأنة مواطنيه إلى أن بياناتهم سوف تستخدم على النحو اللائق؛ وسوف تساعد التدابير التي تسعى إلى تحقيق هذه الغاية في دفع عجلة نمو الاقتصاد الرقمي. ولكن يتعين على صناع السياسات في القارة أن يتذكروا أن بقاء السوق المشتركة الرقمية أمر غير وارد ما دامت القواعد التي تعزز الأساليب الوطنية المتباينة في التعامل مع الخصوصية، وتعيق استخدام الإنترنت للبيانات المجهلة للإعلان الرقمي، قائمة. وعلى المحك الآن جيل كامل من رجال الأعمال الرقميين الأوروبيين.

ترجمة: أمين علي          Translated by: Amin Ali