1

مقياس لسوء القياس

اسطنبول ــ مؤخراً استخدمت أوبر (Uber:خدمة عبر الإنترنت لطلب سيارة وسائق) ولم أجد في الأمر الخبرة الممتعة المعتادة. فالسائق لم يكن يعرف المنطقة، والأسوأ هو أنه لم يتبع تعليمات جهاز الملاحة في السيارة، فانعطف يساراً بدلاً من يمين. وعندما سألتني خدمة أوبر كالمعتاد لتقييم السائق، لم أتردد في إعطائه درجتين من خمس. ولم أكن في هذا رغبة في الانتقام؛ بل أردت به إنقاذ ركاب آخرين من تجربة غير سارة، وكنت أتمنى لو يشجعه تقييمي على تحسين نفسه أو البحث عن مجال عمل آخر.

ولكن ماذا يعني تقييمي (2 من 5)؟ من الواضح أنه يعني أن السائق كان أسوأ من المتوسط، أو ثلاث درجات. ولكن برغم أنني قد أختار دوماً سائقاً متوسطاً مفضلة إياه على سائق أقيمه بدرجتين، فإنني إذا خيرت بين سائق تقييمه أقل من المتوسط وآخر لا أعرف عنه أي شيء، فقد أختار السائق الأقل من المتوسط، لأن الخوف من اختياري في النهاية لشخص ما ربما يكون أسوأ يمنعني من خوض المجازفة. وهي ظاهرة منتشرة وتُعرَف باسم "النفور من الخسارة": فالمجازفة بشخص تقييمه درجة واحدة يفوق الأمل في الحصول على شخص تقييمه خمس درجات.

Chicago Pollution

Climate Change in the Trumpocene Age

Bo Lidegaard argues that the US president-elect’s ability to derail global progress toward a green economy is more limited than many believe.

في الأسبوع الماضي، كنت منهمكة في ترتيب مقترحات لبرنامج Knight News Challenge؛ لتبسيط الأمور جعلوا الترتيب لديهم من ثلاث نقاط: ثلاث لنعم، واثنتان للتفكير في الأمر، ونقطة واحدة للرفض. وتتلخص الفكرة في اختيار الفائزين ورفض الخاسرين، والتركيز على التمييز بين الاحتمالات. وهذا أمر منطقي في سياق تركيز الانتباه حيثما احتاج الأمر إلى قرار.

إن تمارين الترتيب، مثلها كمثل الأشياء التي تصنفها، ليست واحدة دوما؛ فالأساليب المختلفة تناسب المواقف المختلفة. ونحن نعيش في عالم حيث يتم تصنيف وتقييم كل شيء، سواء كنت قاضياً أو فرداً يحاول إضفاء لمسة من المنطق على الحياة العصرية. والواقع أننا بينما نصنف ونقيم سائقي أوبر، فإنهم أيضا يقيموننا.

ولنتأمل هنا خطة عمل أو مقترح منحة مؤسسية. قد يتم ترتيب أحد الاقتراحات في مرتبة تسع درجات من عشر، في حين قد يحصل آخر على ثماني درجات من عشرين؛ الاقتراح الأول جيد للغاية ولكن جانبه الإيجابي محدود، في حين أن الاقتراح الثاني ليس جيداً ولكنه لديه الإمكانية لكي يصبح عظيما. الواقع أننا لا نستطيع أن نقارن بين الاثنين: فأحدهما اختيار آمن، ولكنه من غير المرجح أن يخلف تأثيراً كبيرا؛ والآخر أكثر مجازفة ولكنه في النهاية ربما يكون أكثر جدوى. فإذا كنت عميلاً يشتري منتجاً لابد أن يعمل بشكل جيد، فأنت تريد الاقتراح الأول؛ أما إذا كنت مغامراً رأسماليا وترى أنك قادر على إضافية القيمة فسوف تكون راغباً في الاقتراح الثاني.

إن مساعدة الناس على التفكير بوضوح في هذه الأرقام أمر بالغ الأهمية. فالناس يريدون البساطة، ولكنهم في الوقت نفسه يمكنهم أن يساعدوا أنفسهم من خلال التفكير بوضوح وتحديد تفضيلاتهم، وخاصة في عالم يتسم بالتسويق المستهدف، وتكييف المنتج أو الخدمة حسب الطلب، والدقة الشديدة، حيث يناضل البائعون لإعطاء العملاء ما يريدون بالضبط.

تخيل أن شخصاً ما مصاب بالسرطان، ويقول طبيبه إنه قد لا يعيش أكثر من عامين، أو أن فرص "بقائه" قد تتحسن بنسبة 50% (المصطلح الطبي للبقاء على قيد الحياه لخمس سنوات أخرى) إذا خضع للعلاج الكيميائي. بعبارة أخرى، قد يعيش سنتين من التدهور التدريجي مع بعض الألم، أو ثلاثة أعوام من الشعور بالغثيان وسقوط الشعر وفقدان الكرامة بسبب العلاج.

إن كنت تظن أن هذه الأرقام غير قابلة للمقارنة، فأنت محق؛ وهذا جزء من المشكلة. (بل وربما تستند الأرقام إلى عينة محدودة من الناس الذين لا يشبهونك تماما). ولكن برغم أن التوقيت غير مؤكد، فإن المقايضة واضحة إلى حد كبير. ما يريده أي مريض حقاً هو الشفاء بطبيعة الحال، وليس مجرد تمديد بسيط لعمره المتوقع، ولكن لا شيء مؤكد. فقد يبدو الاختيار سهلا، ولكن لعل المرء يريد فقط أن يعيش لكي يرى ابنته تتخرج في الجامعة، أو ولده يتزوج. لذا فمن الجميل أن نفهم هذه الأرقام بشكل أفضل.

وحتى على مستوى السكان، فإننا نواجه بعضاً من نفس التعقيدات في هيك أب (HICCup: المجلس التنسيقي لمبادرة الصحة)، وهو المشروع البادئ الذي أسته. فكيف نقيس تحسن الصحة؟ ليس الأمر كما اقترح أحد المحللين الجاهلين: "إن التحسن (الانخفاض) بنسبة 20% في النوبات القلبية بالإضافة إلى تحسن (انخفاض) بنسبة 30% في تكرار الإصابة بنوبات السكري يعادل تحسناً بنسبة 50%." فعليك أن تحسب متوسط التحسن لكي تحصل على نسبة تتراوح بين 20% إلى 30%. ولكن كيف تزن مرض السكري في مقابل النوبات القلبية، أو تمديد الحياة في مقابل نوعية الحياة؟

وهناك أيضاً في أي قطاع آخر قضية تفسير المعنى الحقيقي للبيانات. فقد يفضل شخص ما القصص (الحزينة) في ما يتصل بالتصنيف الائتماني في روسيا. ذات يوم قال لي أحد المصرفيين أن المحللين العاملين لديه واجهوا نقصاً في البيانات اللازمة لاتخاذ القرارات الائتمانية في روسيا، وافترضوا أن سجل السوابق الجنائية قد يكون طريقة سهلة للتخلص من الفاسدين.

ولكن عندما حلل البنك الأرقام اكتشف أنه برغم أن نحو نصف الأشخاص المتقدمين بطلبات الحصول على ائتمان منخفض الدرجة عالي الفائدة لديهم سجلات سوابق جنائية، فيبدو أن هذا لم ينعكس على نتائج السداد. وأظن أن السبب هو أن الناس الذين ليس لديهم سجلات شرطة كانوا من شريحة الـ50% الوسطى. وفي الشريحة السفلية كان هناك 25% من أصحاب السجلات لدى الشرطة لأسباب تتعلق بسلوك سيء من نوع أو آخر. وفي الشريحة العلوية كان هناك 25% من هؤلاء الذين لديهم سجلات لدى الشرطة بسبب سلوك طيب بدرجة غير عادية، مثل رفض تقديم رشاوى أو التغاضي عن الفساد.

والمغزى الأخلاقي من هذه القصة هو أن الأرقام لا تنبئنا بكل شيء. فهل نركز في نهاية المطاف على السعر لأننا نستطيع قياسه، إلى استبعاد أشياء أخرى مهمة؟ كانت هذه الظاهرة سبباً في جعل العمل في مجال الطيران غير مربح إلى حد كبير ــ وجعل العملاء غير راضين على نحو متزايد. فالجودة كانت ضمن سعر التذكرة عادة؛ أما الآن مع الرسوم الإضافية لاختيار المقعد والوجبات وما إلى ذلك، فإن العملاء يدفعون في مقابل الجودة بشكل منفصل.

باختصار، تتلخص مفارقة الاختيار (كما وصفها باري شوارتز بأناقة في أحد كتبه) في أن الخيارات المتعددة تربكنا وتزيد من احتمالات الندم؛ فكيف لنا أن نتأكد من حصولنا على ما نحتاج إليه بالضبط، وأن أي شيء آخر لن يكون أفضل من اختيارنا؟

Fake news or real views Learn More

أو لعل أعظم درجات السعادة لا تتأتى في واقع الأمر إلا من اضطرارنا إلى القلق إزاء مثل هذه الأمور.

ترجمة: أمين علي          Translated by: Amin Ali