20

هل هي نهاية الدولة الأوروبية العظمى ؟

مدريد - منذ بداية أزمة منطقة اليورو في عام 2008، عاش الاتحاد الأوروبي، من منظور سياسي، حياة حكومية فوق وطنية بملابس مشتركة. ولكن في الوقت الذي يستعد فيه الاتحاد الأوروبي للتفاوض من أجل خروج بريطانيا، أصبح من الواضح أن الاتحاد لم يعد لديه أي ملابس على الإطلاق. والسؤال المطروح الآن هو هل سيستمر الاتحاد الأوروبي كمؤسسة تهيمن عليها الدول الأعضاء.

هيمنة الدول الأعضاء - لاسيما ألمانيا - في عملية صنع القرار في الاتحاد الأوروبي ليست جديدة. وكانت واضحة في جميع مراحل أزمة اليورو، حيث احتل الصدارة كل من المستشارة الألمانية أنجيلا ميركل ووزيرها في المالية، فولفغانغ شويبله، ورئيس المجلس الأوروبي، هيرمان فان رومبوي، عن بلجيكا.

Chicago Pollution

Climate Change in the Trumpocene Age

Bo Lidegaard argues that the US president-elect’s ability to derail global progress toward a green economy is more limited than many believe.

ولكن لا تزال أسطورة القومية الأوروبية العظمى قائمة. على وجه الخصوص، بعد أن تولى جان بول يونكر منصب رئيس المفوضية الأوروبية في عام 2014، بدأت السلطة التنفيذية للاتحاد الأوروبي تُعد مشروع قانون لتنصيب نفسها كمؤسسة مقرها بروكسل قادرة على تحقيق "مزيد من الاتحاد في اتحادنا"، كما قال يونكر في خطاب حالة الاتحاد سنة 2015.

وهذا العام، ألقى يونكر خطابا أكثر واقعية بكثير. في الحقيقة، يبدو أن انتخابات يونيو/ حزيرانلخروج بريطانيا من الاتحاد  قد غيرت ليس فقط سلوك يونكر ، بل أيضا سلوك كل محبي المفوضية الأوروبية، الذين تم تهميشم إلى حد كبير في المعركة التي تلت ذلك حول مستقبل أوروبا. (والاستثناء الملحوظ هو موقف مسؤولة لجنة المنافسة العلني، مارغريتفيستاكير، حول الضرائب، والذي لم يتم تحديد تداعياته بعد).

بدلا من ذلك، تبلورت تلك المعركة بشكل كبير داخل المجلس الأوروبي، مع اضطلاع ميركل  بدور مركزي. في حين أنه من المستحيل أن نتنبأ بالضبط بنوعية الاتحاد الأوروبي التي ستبرز مستقبلا. ويبدو واضحا أنه سيكون أقل تمركزا في بروكسل وأقل تكاملا عكس ما كان يسعى له الكثيرون في المفوضية منذ فترة طويلة.

وأصر رئيس المجلس الأوروبي دونالد تاسك خصوصا على هذه النقطة، منتقدا "الرؤى الأوروبية المتحمسة والساذجة" وداعيا إلى أوروبا أكثر تواضعا التي تَعِد بالقليل وتُوفر الكثير. وأكد تاسك هذا الموقف في القمة غير الرسمية الأخيرة للمجلس الأوروبي في براتيسلافا - أول لقاء بدون حضور المملكة المتحدة - معلنا أن "إعطاء صلاحيات جديدة للمؤسسات الأوروبية ليست وصفة جيدة".

ومن جهتها قضت ميركل الصيف في إعداد نهج تقوده  دولة عضو في الاتحاد من أجل تحضير المفاوضاتحول خروج بريطانيا من الاتحاد الأوروبيومستقبل أوروبا. وقد أكدت المناقشات ونتائج قمة براتيسلافا هذه الجهود.

أما بالنسبة للمفوضية الأوروبية، فقد كان عملها الحقيقي الوحيد في الأشهر الأخيرة هو تعيين ميشيل بارنييه في يوليو كممثل رئيسي في المفاوضاتحول خروج بريطانيا من الاتحاد الأوروبي. ومع قيادة المجلس لتلك العملية، فإنه ليس من الواضح ما سيقوم به بارنييه في الواقع. ونظرا لكون السياسة الداخلية في دول المنطقة تلعب دورا أكثر أهمية من المجلس الأوروبي في الزخم السياسي للاتحاد الأوروبي، فليس هناك أمل حتى في تحقيق علاقات حكومية صلبة داخل الاتحاد الأوروبي.

لننظر إلى ألمانيا، حيث الأداء المخيف للحزب الديمقراطي المسيحي بزعامة ميركل في سلسلة من الانتخابات الجهوية، بما في ذلك في مسقط رأسها بولاية مكلنبورغ غرب بوميرانيا، الأمر الذي يثير أكثر من سؤال حول مسار البلاد. الآن، ننتظر الانتخابات الاتحادية العام المقبل، التي قد ترسل البلاد - ونهجها في قيادة الاتحاد الأوروبي - في اتجاه مختلف تماما. ويأتي عدم اليقين أيضا من بلدان أخرى: سيتم إجراء استفتاء دستوري في ايطاليا قبل نهاية هذا العام، وسوف تُجرى الانتخابات في فرنسا وهولندا العام المقبل.

لا شيء من هذا يعني بأنالقومية العظمىقد تلاشت. ولكن من المرجح أن المصالح الضيقة سوف تصبح أكثر هيمنة، على الأقل حتى نهاية الانتخابات الرئيسية. قد تكون هناك فرصة لإتباع النهج الأوروبي ، ولكن فقط إذا لم يؤد السبات الحالي إلى الهدر المؤسسي.

ويُعد كسب ثقة الشارع أمرا بالغ الأهمية. في الماضي، كان الاتحاد الأوروبي يسير إلى الأمام، كما لو وافق عليه الناس. لكن لا يحدث ذلك اليوم. وكما بين هوبير فيدرين، وزير الخارجية الفرنسي السابق، فإن فقط 15-20٪ من الأوروبيين يحبون اليورو، 15-20٪ أخرى يعارضون الاتحاد الأوروبي بشكل سافر، و60٪ المتبقية لهم  " حساسية ضد اليورو". إنها حقا صورة قاتمة لكن واقعية.

ببساطة، بالنسبة لجزء كبير من الرأي العام، تفتقر مؤسسات الاتحاد الأوروبي إلى الشرعية. الأسباب معروفة: سوء الاتصال، وعجز ديمقراطي، توجيه أصابع الاتهام بين الدول الأعضاء والمفوضية، وبنية مؤسسية معيبة. سوف يتكلم يونكر ومارتن شولتز، رئيس البرلمان الأوروبي، عن المنهجية المجتمعية حتى احمرار  وجهيهما. لكن لن يحدث هذا في المستقبل المنظور.

والنتيجة واضحة: في الصراع على كيفية تطوير أوروبا، تفتقر مؤسسات الاتحاد الأوروبي إلى السلطة أو الدعم لطرح الكثير من القضايا - أو حتى دخول الحلبة بالكامل. ولكن هذه اللحظة التي تحدق فيها الوطنية بالدول الأعضاء قد تمثل في الواقع فرصة هامة لمؤسسات الاتحاد الأوروبي للعمل على سد الفجوة الشرعية.

وهذا يعني مقاومة الرغبة في إضفاء صبغة وردية على الإجراءات المستقبلية التي لن تتحقق أبدا في الواقع، والعدول عن طرح برامج مثيرة للإعجاب لها فعالية ضعيفة على أرض الواقع. وينبغي، بدلا من ذلك، استكمال المبادرات الرئيسية، على وجه الاستعجال بناء الاتحاد المصرفي، وتعزيز المساءلة، وضمان أن الناس يفهمون ما تقوم به مؤسسات الاتحاد الأوروبي. وذلك يعني تجنب الصراعات السياسية، التي لا تفيد المفوضية الأوروبية والبرلمان الأوروبي في شيء.

Fake news or real views Learn More

وإذا كان يبدو هذا النهج محترسا، فهو كذلك في الحقيقة. الآن حان الوقت ليس لاختصارات محفوفة بالمخاطر، بل لاتخاذ تدابير إضافية دقيقة، مُخطط لها جيدا، قادرة على كسب ثقة الرأي العام تدريجيا وباستمرار. وقد أصدر يونكر والنائب الأول لرئيس المفوضية فرانس تيمرمانس مؤخرا قائمة من الأولويات متواضعة نسبيا،  لكنها بداية جيدة.

معظم الناس ليسوا أغبياء. بل هم عموما واعون بما يحاك ضدهم، وتعبوا من الكلام الفارغ والمبادرات النصف ناضجة. وإذا استطاعت مؤسسات الاتحاد الأوروبي القيام بإجراءات فعلية وشفافة ذات مصداقية ، فسوف تؤكد أن المُشترك الحكومي الحالي هو مجرد مرحلة انتقالية، وأن مستقبل أوروبا هو بناء أوروبا.