0

تَـبَـنْـي العِـلم

يأتي التقدم الاقتصادي البعيد الأمد في الأساس نتيجة للابتكار والإبداع وانتشار التقنيات المحسنة. ومـن المعروف أن الثورة العلمية لم تصبح في حكم الإمكان إلا باختراع المطبعة، ولم تبدأ الثورة الصناعية إلا باختراع المحرك البخاري، ولم تفلت الهند من المجاعة إلا بزيادة إنتاجية المحاصيل، أو ما سُـمّي بالثورة الخضراء. أما عصر العولمة فقد بدأ بانتشار أجهزة الحاسب الآلي وشبكة الإنترنت. وعلى هذا فإننا حين نبحث عن حلول لبعض أعقد المشاكل التي تواجهنا في العالم، فمن المرجح أن نتوصل إلى هذه الحلول، ولو بصورة جزئية، من خلال التكنولوجيات الحديثة القادرة على حل قدر كبير من المشاكل العتيقة والعسيرة.

ولنتأمل مشكلة الفقر في أفريقيا. لم يبخل المحللون بتقديم كل تفسير يمكن تصوره لهذه المشكلة وأبعادها، وكانت التفاسير كلها تركز في العادة على ما يرتكبه الأفارقة من أخطاء. لكن الزيارة إلى القرى الإفريقية تبين لنا بوضوح أن المشاكل التي تعاني منها أفريقيا ترتبط بالصراع من أجل البقاء في ظل ظروف مادية عصيبة أكثر من ارتباطها بأي سمات خاصة تنفرد بها المجتمعات الإفريقية.

Chicago Pollution

Climate Change in the Trumpocene Age

Bo Lidegaard argues that the US president-elect’s ability to derail global progress toward a green economy is more limited than many believe.

ينتج مزارعو أفريقيا من الغذاء عن كل هكتار من الأراضي الزراعية حوالي ثلث ما ينتجه المزارعون في أي مكان آخر من العالم، الأمر الذي يؤدي إلى انتشار الجوع الذي يتفاقم بسبب الأعباء الثقيلة التي يفرضها المرض. فالملاريا تشكل تحدياً فريداً، ويرجع هذا في جزء كبير منه إلى الأنواع المنتشرة في أفريقيا من البعوض، والتي تتسم بالبراعة في نقل الأمراض. وهناك أمراض طفيلية استوائية أخرى في أفريقيا يترتب عليها أعباء لا تقل جسامة. وإذا أضفنا إلى الأمر المصاعب العملية الناجمة عن سوء أحوال الطرق وقلة أعداد السيارات والشاحنات، فلابد وأن تكون النتيجة عزلة اقتصادية تضرب على أفريقيا. ومن هنا يتبين لنا أن تحديات البقاء التي تواجه أفريقيا هائلة.

مع كل ذلك فإن الحلول العملية ليست بعيدة المنال، وذلك لأن السبل التكنولوجية البسيطة والمنخفضة التكاليف قادرة على التعامل مع بعض المشاكل بعينها. فنستطيع معالجة مشكلة انخفاض إنتاجية المزارع من خلال تحسين نوعيات البذور المستخدمة وبصورة خاصة القادرة منها على التكيف مع الظروف في أفريقيا، وذلك جنباً إلى جنب مع إعادة تخصيب التربة وترشيد إدارة واستهلاك المياه.

ومن الممكن السيطرة على الملاريا باستخدام شبكات بعوض جديدة التصميم تتسم بالقدرة على التحمل لفترات طويلة، وابتكار جيل جديد من الأدوية والعلاجات الفعالة. من الممكن أيضاً السيطرة على الأمراض الاستوائية الأخرى، وباستخدام الأساليب التكنولوجية العملية لتوفير الماء الصالح للشرب نستطيع تقليص أمراض الإسهال إلى حد كبير. كما نستطيع باستخدام الهواتف الجوالة وشبكات الإنترنت المحلية اللاسلكية، مع الاستعانة بالمزيد من الطرق المعبدة، أن نساهم بقدر كبير في الجهود الرامية إلى كسر العزلة الاقتصادية المفروضة على القرى الأفريقية.

تلح الدول المانحة في مطالبة أهل أفريقيا بتغيير سياساتهم التجارية، ومؤسساتهم الحكومية، وإداراتهم العامة وما إلى ذلك. والحقيقة أن بعض هـذه التغييرات على قدر كبير من الأهمية، إلا أن الدور الذي تضطلع به الدول الغنية في هذا المجال لم يكن متوازناً بأي حال من الأحوال، ذلك أن ذلك الدور يركز على كل شيء فيما عدا كيفية تمويل وتوفير السبل التكنولوجية العملية اللازمة للتعامل مع المشاكل العملية. وما كانت الأخطاء التي ترتكبها الدول الغنية لتمثل أي قدر من الأهمية لو كان لدى الدول الإفريقية ما يكفي من المال لتبني التكنولوجيات المطلوبة بلا معونة من أحد، لكن أفريقيا فقيرة إلى الحد الذي يجعلها عاجزة عن الإفلات من قبضة الفقر بدون مساعدة مالية خارجية.

والتحديات التي تواجه التنمية في أفريقيا تشكل مثالاً واحداً على الكيفية التي يمكن بها التعامل مع المشاكل المجتمعية القاسية من خلال تصميم ونشر الأساليب التكنولوجية المحسنة. ويصدق نفس القول على الكيفية المثلى التي ينبغي على العالم أن يتعامل بها مع تغير المناخ الناتج عن سلوكيات بشرية ـ وهو الأمر الذي يمثل مشكلة أخرى من المشاكل العالمية العنيدة.

في الوقت الحالي تتسبب الدول الغنية في تغيير مناخ العالم بإطلاق مليارات الأطنان من غاز ثاني أكسيد الكربون في كل عام بسبب استخدام الفحم والنفط والغاز الطبيعي. ومن المتوقع خلال السنوات القادمة أن تساهم الصين والهند أيضاً بصورة هائلة في زيادة انبعاثات غاز ثاني أكسيد الكربون إلى جو الكرة الأرضية. ومع ذلك فلن نجد حرصاً من أي دولة، سواء كانت غنية أو فقيرة، على تقليص استخداماتها من الطاقة، خشية أن يؤدي هذا إلى تهديد فرص العمل والدخول والنمو الاقتصادي.

لكن الأساليب التكنولوجية الحديثة تشكل جزءاً رئيسياً من الحل. وتستطيع الآن بالفعل السيارات "المهجنة"، التي تجمع بين استخدام البنزين وطاقة البطاريات الكهربية، أن تعمل على مضاعفة كفاءة الوقود، وتقليص انبعاثاتها من غاز ثاني أكسيد الكربون إلى النصف. وعلى نحو مماثل، تمكن المهندسون من تصميم طرق جديدة لاحتواء غاز ثاني أكسيد الكربون الناتج عن حرق الفحم في محطات الطاقة وتخزينه بأمان تحت الأرض. وهذه التقنية الحديثة التي نطلق عليها "احتواء الكربون وعزله"، من الممكن أن تؤدي إلى تقليص انبعاثات غاز ثاني أكسيد الكربون الناجمة عن إنتاج الطاقة الكهربية بنسبة 80%. والحقيقة أن تكاليف هذه التقنيات ضئيلة نسبياً.

ولنأخذ في اعتبارنا أيضاً استنزاف مناطق صيد الأسماك في المحيط بسبب الإفراط في الصيد الجائر. فالزيادة الكبيرة التي يشهدها استهلاك الأسماك العالمي الآن، وبالتالي ارتفاع معدلات صيد الأسماك على مستوى العالم، تؤدي إلى دفع بعض أنواع الأسماك إلى حافة الانقراض. والحقيقة أن السبل المحسنة لاستزراع الأسماك، حيث تربى الأسماك في برك ومستودعات اصطناعية، ما زالت بعيدة عن كونها حلاً تكنولوجياً مثالياً، وذلك لأسباب بيئية في الأساس. إلا أن هذه الأساليب واعدة إلى حد كبير.

في زيارة أخيرة لأفريقيا، قال أحد كبار علماء الزراعة إن العلماء أصبحوا في عالم اليوم أقرب من أي وقت مضى إلى المزارعين، وباتوا في ذات الوقت أبعد من أي وقت مضى عن صانعي القرار. ذلك أن أهل السياسة لا يفهمون العلم، ونادراً ما يلتجئون إلى العلماء والمهندسين طلباً للنصيحة في مواجهة القضايا والمشاكل الكبرى. فهم ينظرون إلى كل شيء بمنظور السياسة وأصوات الناخبين، وليس باعتباره من المشاكل الفنية التي تتطلب خبرة تكنولوجية. وهذا هو السبب الذي يجعلنا في كثير من الأحيان نعزو الفقر في أفريقيا إلى الفساد بدلاً من إرجاعه إلى التحديات البيئية.

Fake news or real views Learn More

من السهل على بعض الناس أن يستبعدوا الاقتراح الذي يؤكد أن التكنولوجيا قد تكون المخرج من هذا المأزق. فالتطور التكنولوجي يتطلب في النهاية الحكم الرشيد، وتفعيل قوى السوق، وتعظيم دور الجامعات الفاعلة في المجتمع. ولسوف تظل السياسة تلعب دورها المعوق.

على الرغم من كل ما سبق فقد حان الوقت لكي نعترف بأن الحكومات غير مؤهلة لإدراك التحديات والفرص التكنولوجية المعقدة التي تواجه العالم، وأن السبل الحديثة مطلوبة أكثر من أي وقت مضى من أجل ضمان حصول العلم والتكنولوجيا على المكانة اللائقة بهما والتي تزيد من قدرتهما على مواجهة نطاق واسع من المشاكل العالمية المتزايدة الإلحاح. لقد حان الوقت الآن لكي تضطلع كل هيئة دولية كبرى وكل حكومة وطنية بمسئولياتها التي تحتم عليها اكتساب الخبرات العلمية والتكنولوجية اللازمة للبقاء في القرن الواحد والعشرين.