0

تثقيف أوروبا

لعب التعليم دوراً كبيراً في علاج انقسامات أوروبا. فمنذ أربعة عقود من الزمان وافق تشارلز دي جوليه وكونراد أدينور على ابتكار كتب مدرسية جديدة يستعين بها الأطفال في كل من البلدين على مداواة العداوة التي دامت بين فرنسا وألمانيا طيلة أعوام القرن الماضي.

إن تحديات اليوم تتطلب مثل هذا الاستخدام الدينامي للسياسة التعليمية. فمع انضمام دول وسط وشرق وجنوب أوروبا العشر المرشحة إلى الاتحاد الأوروبي في مايو المقبل، سيصبح الاتحاد الأوروبي أكثر تنوعاً من أي وقت مضى من النواحي السياسية والاقتصادية والاجتماعية. ويستتبع هذا فرص جديدة بلا شك، لكنه يحمل في طياته أيضاً مخاطر جديدة. ولأن الاتحاد الموسع سيصبح حقيقة واقعة خلال شهرين لا أكثر، فلابد من تنمية مفاهيم التسامح الثقافي التي من شأنها أن تساهم في الاندماج الناجح للأعضاء الجدد.

Chicago Pollution

Climate Change in the Trumpocene Age

Bo Lidegaard argues that the US president-elect’s ability to derail global progress toward a green economy is more limited than many believe.

لابد وأن يكون من السهل نسبياً نقل بعض القيم التي اعتنقها الاتحاد لمدة طويلة. فمنذ عقد من الزمان ومع توقيع معاهدة ماستريخت، اتفقت الدول الأعضاء بالاتحاد الأوروبي على احترام تاريخ وثقافة وتقاليد كل الشعوب التي تشكل الاتحاد. إن الدستور التمهيدي الذي فشل مؤخراً في اكتساب القبول في الجولة الأولى من المفاوضات لا يعِد فقط باحترام الإرث الثقافي، بل إنه أيضاً يلزم الاتحاد بحماية وصيانة وتنمية الثروة الأوروبية التي تتمثل في التنوع الثقافي واللغوي.

لكن أوروبا تستطيع النجاح في هذه المهمة فقط إذا لم تنعزل ثقافاتها المتنوعة ولم تنغلق كل منها أمام الأخرى. فبداخل أوروبا المتحركة المنفتحة، ليس من الممكن أن تصبح هناك أسيجة تصد الثقافات الأجنبية، وسيصبح الاحتكاك أمراً لا مناص منه. لذا، لابد وأن يتم التعايش مع التنوع والاختلاف، مما يعني ترسيخ كل ثقافة لعوامل تفردها في الوقت الذي تتعلم فيه كيف تتأقلم وتتكيف مع المناطق والعقليات الأخرى. ولقد تحدث جوته بالفعل عن هذا في مسرحيته "توركواتو تاسو" حين نادى قائلاً: "قارن نفسك، واكتشف ماذا تكون".

في الحقيقة، لن ينجح الأوروبيون في بناء أوروبا الموسعة إلا بالانفتاح على ما هو أجنبي عليهم. وإن كراهية الأجانب تعد دليلاً على وجود خلل تربوي ـ فهي تعبير عن ضيق الأفق والعجز عن وضع الذات في محل الآخرين. لذا، فبدلاً من الشروع في البحث عن هوية أوروبية، ينبغي علينا أن نتفق على أهداف تعليمية مشتركة من شأنها أن تعمل على زيادة وعي وإدراك كافة الأوروبيين بـ"الآخرين" الذين هم أخوة لهم في أوروبا.

إن الشوق إلى المعرفة، والبهجة في الارتباط بالعالم، والاندماج العاطفي مع أناس من ثقافات مختلفة، لهي صفات من شأنها أن تصون التنوع في الوحدة، والوحدة في التنوع. وينطبق نفس القول على فضيلة التسامح وعلى استخدام أكثر من لغة. أولئك المطلعين على التاريخ الأوروبي والذين ينهمكون في المناقشة مع الدول المرشحة حول ماهية أوروبا وما ينبغي أن تكون عليه، هم فقط من ستكون لديهم القدرة على رأب الصدع بين الثقافات والديانات المختلفة.

وهذا يتطلب ضمناً التمتع بملكات عقلية نقدية والقدرة على التسامح مع النقد. وعلاوة على هذا، فإن الدول الأعضاء في الاتحاد الأوروبي حالياً لن يتعين عليها أن تكون قادرة على التسامح مع الانتقادات الموجهة من القادمين من وسط وشرق وجنوب أوروبا للحضارة الغربية فحسب، بل سيكون عليها أيضاً أن تأخذ تلك الانتقادات بعين الاعتبار حين تفكر في وضع السياسات.

إن التربية الناجحة تعلمنا كيف نتعامل مع الآخرين بنبل وكرامة بصرف النظر عن الديانة أو الجنس أو الأصل أو النوع. ومن العناصر الهامة للتربية الناجحة الرغبة والاستعداد للتسامح مع الآخرين. ومن الناحية النفسية، فإن هذه الفضيلة تستتبع ضمناً القدرة على وضع الذات في محل الآخرين.

كثيراً ما يفشل التواصل بين أفراد الثقافات المختلفة لأن كل منا يعرف أقل القليل عن الآخر. يقولون إن السفر يوسع المدارك، ولكن لكي يحدث هذا فالمطلوب أكثر من مجرد تغيير الموقع من حين إلى آخر. ولاكتساب البصيرة حول كيفية إدراك الناس من ثقافات أخرى للعالم، فالأمر ��تطلب التعرف على أسلوب معيشتهم وممارستهم للحياة.

لابد وأن تكون البصيرة الأكثر حداثة كالتالي: تعدد اللغات يوسع المدارك. فاللغة ليست مجرد وسيلة للتخاطب، بل إن اللغة ثقافة في حد ذاتها. إن الكلمات التي تستخدمها لغة ما للتعبير عن الحالات الذهنية أو الخصائص أو الظروف، تنبئنا بشيء عن غرابة بعض الخصائص الثقافية.

دعوني أشير هنا إلى كلمات باللغة الألمانية مثل: Weltschmerz أو Weltgeist أو Zeitgeist أو Schadenfreude أو Realpolitik أو Bildung ـ كلها كلمات كثيراً ما لا يكون لها مقابل دقيق في لغات أخرى. وعلاوة على هذا، فإن الإنسان بتعلمه للغة أجنبية يكتسب فهماً جديداً لذاته. والأهم من كل ذلك أن اللغة تزودنا بفهم للثقافة الأخرى. إن الأصوات التي تنادي بضرورة حضور التلاميذ في مدرسة أجنبية ـ لعام واحد على الأقل إن أمكن ـ كجزء من منهج تعليمي أوروبي مرتقب، لابد وأن ينصت إليها ويتم أخذها في الاعتبار بجدية.

Fake news or real views Learn More

بطبيعة الحال، ليس من الممكن فرض تعلم اللغات والتعاطف والتسامح واكتساب المعرفة حول الثقافات الأجنبية بقرار كما تفرض الضرائب. لكن كل دولة تستطيع بل ينبغي عليها أن تضع الأساس لتربية أخلاقية سياسية صالحة من شأنها أن تقدم للشباب فرصة التفاعل مع الآخرين وإدراك وتقبل تساويهم بهم. إن الديمقراطية الليبرالية التحررية في بحثها عن العقلية المدنية تعتمد على الأفراد وعلى المؤسسات التي تستطيع إرشاد الناس إلى الطريق السليم بالقدوة أو من خلال معتقداتها أو نظرتها إلى العالم.

مراراً وتكراراً، عبر مسيرتنا في الحياة، ينبغي علينا أن نحمل أنفسنا على التسامح مع آراء وسلوكيات تبدو على النقيض من آرائنا وسلوكياتنا. ولا يساندنا في مسعانا هذا سوى التربية. ولقد توصل الممثل والكاتب بيتر أوستينوف إلى صورة ذهنية تعبر عن هذا: "التربية أمر مهم، وخاصة حين يتعلق الأمر بالتجرد من الهوى والتعصب. فليس بيد المرء أن يتخلص من كونه سجيناً لعقله، ولكن أقل ما ينبغي عليه أن يفعل هو أن يتأكد من فرش زنزانته بالشكل الذي يليق".