24

عالَم ينقصه الاستثمار

ميلانو ــ عندما انتهت الحرب العالمية الثانية قبل سبعين عاما، كان قسماً كبيراً من العالم ــ بما في ذلك أوروبا الصناعية، واليابان، وبلدان أخرى كانت محتلة ــ ممزقاً من الناحية الجيوسياسية ومثقلاً بأعباء ديون سيادية شديدة الوطأة، وكانت أغلب الاقتصادات الكبرى في خراب. وكان المرء آنذاك ليتوقع فترة طويلة من التعاون الدولي المحدود، والنمو البطيء، ومعدلات البطالة المرتفعة، والعوز الشديد، بسبب محدودية قدرة الدول على تمويل احتياجاتها الضخمة من الاستثمار. ولكن ذلك ليس ما حدث.

فقد تبنى قادة العالم منظوراً بعيد الأمد، لأنهم أدركوا أن احتمالات نجاح بلدانهم في خفض الديون المستحقة عليها تتوقف على النمو الاقتصادي الاسمي، وأن آفاق النمو الاقتصادي لبلدانهم ــ ناهيك عن السلام الدائم ــ تتوقف على تعافي العالم بالكامل. لذا فقد استخدموا ــ بل وأفردوا ــ ميزانيات بلدانهم لاستثمار، في حين انفتحوا على التجارة الدولية، فساعدوا بالتالي في استعادة الطلب. وبطبيعة الحال تولت الولايات المتحدة ــ التي واجهت ديناً عاماً ضخماً ولكن خسائرها المادية كانت قليلة ــ دوراً قيادياً في هذه العملية.

كانت التعافي الاقتصادي بعد الحرب يتميز بسمتين لافتتين للنظر. الأولى أن البلدان لم تنظر إلى ديونها السيادية باعتبارها قيداً مُلزِما، بل لاحقت الاستثمار والنمو المحتمل بدلاً من ذلك. والثانية أنها تعاونت فيما بينها على جبهات متعددة، وكانت البلدان التي تتمتع بالميزانيات الأكثر قوة تعمل على تعزيز الاستثمار في أماكن أخرى، حتى أنها زاحمت الاستثمار الخاص. وربما شجع اندلاع الحرب الباردة هذا النهج. وفي كل الأحوال، لم تكن كل دولة تعمل لصالحها فحسب.

واليوم يحمل الاقتصاد العالمي أوجه تشابه مذهلة مع اقتصاد ما بعد الحرب مباشرة: ارتفاع معدلات البطالة، وارتفاع مستويات الدين، فضلاً عن نقص الطلب الكلي العالمي الذي يقيد النمو ويولد الضغوط الانكماشية. والآن، كما كانت الحال آنذاك، أصبح مستوى وجودة الاستثمار غير كافيان دوما، مع انخفاض الإنفاق العام على رأس المال المادي وغير المادي ــ والذي يشكل عاملاً بالغ الأهمية لتحقيق النمو البعيد الأمد ــ إلى مستوى أدنى كثيراً من المستويات المثالية لبعض الوقت.