35

ترويض الشعبويين

مدريد ــ في كثير من الديمقراطيات الغربية تتزايد جرأة الشعبويين اليمينيين، الذين يستمدون القوة والنشاط من الانتصارات التي ينسبونها لأنفسهم على "النخب المؤسسية"، في الادعاء بأن العولمة تكمن في جذور المشاكل التي يواجهها العديد من المواطنين. وتحظى هذه الحجة بقدر كبير من الجاذبية بين أولئك الذين ركدت مستويات معيشتهم أو تراجعت في العقود الأخيرة، على الرغم من حرص الزعماء السياسيين على الترويج للتجارة وتدفقات رأس المال الحرة باعتبارها الوصفة الأكيدة لزيادة الرخاء. ويملي هذا علينا ضرورة التصدي لهذه الحجة بشكل مباشر.

بطبيعة الحال، لا تغذي المظالم الاقتصادية وحدها مشاعر العداء للعولمة؛ فقد نشأت الشعبوية حتى في الدول حيث معدلات البطالة منخفضة والدخول في ارتفاع. ولكن مثل هذه المظالم توفر نواة الحقيقة التي يحتاج إليها الزعماء الشعبويون لاجتذاب الدعم، ومن ثَم يحاولون تأمينها بالحقائق المشوهة والمبالغات. وإذا لم نتصدى للقضايا الاقتصادية فسوف يستمر الدعم الذي يحظى به أمثال هؤلاء الزعماء في النمو، وهو ما قد يقود مجتمعاتهم إلى الوراء، إلى زمن أقل تسامحا ــ وأقل ازدهارا.

الواقع أن أمثال دونالد ترامب ومارين لوبان لم يكتسبوا موطئ قدم في الساحة السياسية في بلدانهم ــ ناهيك عن الفرصة لقيادتها ــ بمجهودهم الشخصي. وإنما استغلوا شعور العديد من المواطنين بأن الطبقات السياسية ــ التي روجت لفوائد العولمة في حين سمحت لفجوة التفاوت بالاتساع إلى مستويات غير مسبوقة ــ هجرتهم وتخلت عنهم.

من المؤكد أن العولمة كانت سببا في تضييق فجوة التفاوت بين الدول إلى حد كبير. ولكن داخل البلدان، اتسعت فجوة التفاوت بشكل حاد. فلم تذهب أكبر المكاسب من العولمة إلى الطبقات المتوسطة والعليا في آسيا فحسب، بل وأيضا إلى أعلى 1% دخلا في مختلف أنحاء العالم. ففي الولايات المتحدة، على سبيل المثال، ارتفع معامل جيني (المقياس الأكثر شيوعا للتفاوت) بنحو خمس نقاط في الفترة من 1990 إلى 2013. كما اتسعت فجوة التفاوت أيضا، ولو بوتيرة أبطأ، في الصين والهند وأغلب الدول الأوروبية.